قال المصنف رحمه الله تعالى: «وأصلُ ضلال مَنْ ضَلَّ هُو بِتَقْدِيم قِيَاسه على النَّصِّ المُنَزَّل من عِنْد الله، وتَقْدِيم اتِّبَاع الهوى على اتِّبَاع أَمر الله؛ فَإِنْ الذَّوْق والوجد ونَحْو ذَلِك هُو بِحَسب مَا يُحِبُّهُ العَبْد ويهواه؛ فَكل محب لَهُ ذوق ووجد بِحَسب محبته وهواه.
فَأهل الإِيمَان لَهُمْ من الذَّوْق والوَجْد مثل مَا بيَّنه النَّبِيُّ ﷺ بقوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح: «ثَلَاث مَنْ كن فِيهِ وَجَد حلاوة الإِيمَان: مَنْ كَانَ الله ورَسُوله أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، ومَن كَانَ يحب المَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، ومن كَانَ يكره أَنْ يَرجع فِي الكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ، كَمَا يكره أَنْ يُلقى فِي النَّار» (^١)، وقَالَ ﷺ في الحديث الصَّحيح: «ذاق طَعْمَ الإِيمَان مَنْ رَضِي بِاللَّه رَبًّا، وبِالإِسْلَامِ دينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبيًّا» (^٢).
وأمَّا أهل الكفْر والبدع والشهوات، فَكلٌّ بِحَسبِهِ.
قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: مَا بَالُ أهل الأَهْواء لَهُمْ محبَّة شَدِيدَة لأهوائهم؟ فَقَالَ: أنسيتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم العجل بكفرهم﴾ [البقرة: ٩٣]، أَو نَحْو هَذَا من الكَلَام.
فعُبَّاد الْأَصْنَام يُحبونَ آلِهَتهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبِّ الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال: ﴿فَإِنْ لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يَتَّبعُون
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣) من حديث أنس بن مالك؟.
(٢) أخرجه مسلم (٣٤) من حديث العباس بن عبد المطلب؟.
[ ١٦٨ ]
أهواءهم وَمن أضلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ [٥٠ الْقَصَص]، وَقَالَ: ﴿إِنْ يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَدْ جَاءَهُم من رَبهم الْهدى﴾ [النَّجم: ٢٣].
ولِهَذَا يمِيل هَؤُلَاءِ ويُغرمون بِسَمَاع الشّعْر والأصوات الَّتِي تُهَيِّج المحبَّة المُطلقَة، الَّتِي لَا تخْتَص بِأَهْل الإِيمَان، بل يشْتَرك فِيهَا محبُّ الرَّحْمَن ومحبُّ الأَوْثَان ومحب الصُّلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المُردان ومحب النِّسوان، وهَؤُلَاء الَّذين يتَّبِعُون أذواقهم ومَواجيدهم، من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالكتاب والسُّنة ومَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الأمة».
بَيَّن المصنفُ- رحمه الله تعالى- بقوله: «وأَصْلُ ضَلال مَنْ ضَلَّ هو بتقديم قياسِه على النَّصِّ المُنزل من عند الله، وتقديم اتِّباع الهوى على اتِّباع أمر الله»: أنَّ القياس الفاسد هو أصل الضلال، فأصل ضلال مَنْ ضَلَّ إنما هو بقياسه الفاسد؛ فإبليس أَوَّلُ مَنْ ضَلَّ، وكان ضلاله من جهة قياسه الفاسد؛ إذ ظنَّ نفسَه خيرًا من آدم ﵇؛ لأنه خُلِق من نار، وآدم خُلق من طين؛ فظنَّ أنَّ النار أفضل من الطين، ولذلك أبى الاستجابة لأمر الله بالسجود لآدم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١ - ٧٦]؛ فعندما قاس مثل هذا القياس الفاسد ضَلَّ عن اتِّباع أمر الله ﷿؛ فكان هذا هو أصلُ الضلال.
[ ١٦٩ ]
وإذا تتبعنا أهلَ الباطل- قديمًا وحديثًا- وجدنا أنَّ أصلَ ضلالهم هو بتقديمهم للقياس الفاسد على النصوص الشرعية المنزلة.
والقياس منه ما يكون صحيحًا، وهو أحد الأدلة المعتبرة في الاستدلال عند أهل العلم، ومن القياس كذلك ما يكون فاسدًا، وهو أصلٌ من أصول الضلال؛ فيَضل الإنسان من جهة قياسه، فمثلًا هنا أهل التصوف ظَنُّوا أنَّ وَجْدَهم وذَوْقَهم يُوازي ما يجده أهل الإيمان مِنْ ذَوْقٍ، (وهو ذوق وحلاوة الإيمان)؛ فظنوا أنهم إذا وصلوا إلى أي حلاوة بطريق آخر؛ فإن هذا يُغنيهم عن حلاوة الإيمان الحقِّ؛ فكان في هذا ضلالهم.
وكذلك اتِّبَاعُ الهوى وتقديمُه على اتِّبَاع أَمر الله- أصلٌ من أصول الضَّلال، وهذا حاصلٌ عند سائر أهل الضلال، ولذلك حَذَّر الله ﷿ في كثير من آيات القرآن من اتباع الهوى، وذم الذين اتَّبعوا أهواءهم؛ فبالتالي ضلوا وأضلوا؛ لأنَّهم سلكوا طريق الهوى؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]، وقوله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]
وهنا أعطانا المصنف مثالًا على هذا الضلال بهؤلاء المتصوفة الذين زعموا أنَّ لهم ذوقًا ووجدًا.
وحقيقة الأمر: أنَّ هذا الذوق وذاك الوَجْد إنما يكون بحسب ما يحبُّه العبد ويهواه؛ فَكل محب لَهُ ذوق ووجد بِحَسب محبته وهواه.
[ ١٧٠ ]
فهؤلاء المتبعون لأهوائهم وأقيستهم الفاسدة أرادوا أن يقيسوا أذواقهم ومواجيدهم بطرقهم الفاسدة البعيدة عن الوحي- على المحبة الحقيقية التي جاء بها الشرعُ، فبالتالي ضلوا وأضلوا.
لذا قال المصنف: «وبحسب ما يحبه العبد ويهواه فكل محب له ذوق ووجد يحسب محبته وهواه»، وبالتالي يُنظر إلى ما أحبه العبد فإذا ما كان محبوبه موافقًا لهواه ومخالفًا لشرع الله؛ فهذا الذوق والوجد الذي يحصل له هو فرع عن ذاك الحب وذاك الهوى الذي مال إليه، وهو ذوق فاسد، ومحبة باطلة.
وأما أهل الإيمان المُقَدِّمين لأوامر الشرع على أهوائهم وشهواتهم- فإن لهم ذوقًا ووجدًا، والتعبير الصحيح: أن يقال: إنها محبة، فهذه المحبة تجعل من شعور الإنسان وجوارحه تبعًا لشرع الله ﷿.
فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بَيَّنه النبيُّ ﷺ بقوله في الحديث الصَّحيح: «ثَلَاثٌ مَنْ كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)؛ فهناك حلاوة وأنس ولَذَّة يجدها العبد المؤمن بهذه الثلاث:
أولها: مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما؛ فلا بد من تقديم محبة الله ومحبة رسوله ﷺ على محبة ما سواهما، والله ﷿ قد قال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ قال العلَّامةُ ابنُ كثير ﵀: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل مَنْ ادَّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتَّبع الشرع المحمدي والدِّين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في «الصَّحيح» عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (^١)، ولهذا قال: ﴿قل إن
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.
[ ١٧١ ]
كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم مِنْ محبتكم إيَّاه، وهو محبته إيَّاكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأنُ أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون الله؛ فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]» (^١).
فعلامة محبة الله ﷿ ومحبة رسوله ﷺ تظهر وتتضح بقدر عمل العبد واتباعه لأوامر الله وأوامر رسوله ﷺ.
فإذا كانت محبة العبد لله ولرسوله ﷺ أكثر من محبته لما سواهما، ودليل ذلك: اتباعه لأوامر الله ﷿ وأوامر رسوله ﷺ، وتقديمه لهما على ما سواهما؛ فهذه أول الأمور الثلاثة التي يجد بها العبد حلاوة الإيمان.
وعلى العبد إذا أراد العبد أن يختبر صدق محبته: أن ينظر إلى حاله مع الأوامر والنواهي، فإن كانت النفس تنشط وتسابق لفعل الخيرات وفعل الطاعات، ومن أعظمها أمر التوحيد وأمر الصلاة، فأمر الصلاة محك واختبار لصدق إيمان العيد؛ فإذا كان العبد حريصًا على الصلاة في وقتها ومع الجماعة؛ فذاك علامة من علامات أهل الإيمان، كيف لا والعبد يستيقظ- مثلًا- لصلاة الفجر، مع أن النوم في هذا الوقت ألذ ساعات النوم عند كل أحد، ومع ذلك يدافع النوم ويغالبه ويقوم وينشط لذكر الله ﷿ وأداء الصلاة، فإذا اجتمع مع هذا قيام الليل كان هذا زيادة في علامة محبة الله ﷿ ومحبة رسوله ﷺ.
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٢).
[ ١٧٢ ]
قال الإمام ابن القيم ﵀: «استقامة القلب بشيئين:
أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب، فإذا تعارض حب تعالى الله وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ما سواه، فرتب على ذلك مقتضاه.
الأمر الثاني: الذي يستقيم به القلب: تعظيم الأمر والنهى، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي؛ فإنَّ الله تعالى ذَمَّ مَنْ لا يُعظم أمره ونهيه، قال ﷾: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارًا﴾ [نوح: ١٣] قالوا في تفسيرها: ما لكم لا تخافون لله تعالى عظمة» (^١).
فعلامة ودلالة صدق محبتنا هي في مدى طاعتنا لأوامر الله وأوامر رسوله ﷺ واجتناب النواهي، ولنعرض محبتنا على هذه فعل الأوامر وترك النواهي، وبقدر ما تزيد الطاعات بقدر ما تزيد هذه المحبة، ومن ثم تترتب عليها اللذة والحلاوة التي يجدها المؤمن؛ وذلك في سعادة نفسه، وراحة باله، وطمأنينة قلبه، وانشراح صدره.
وهذه أمور يبحث عنها الناس خاصة في هذا العالم الذي كثرت فيه الماديات، وتعلقت قلوب الناس بها، واستعبدت نفوسهم، فإذا فقد الإنسان من مظاهر الدنيا وأمورها شيئًا تَكَدَّر وحزن واهتم لذلك الذي فقده؛ لتعلقه بأمر الدنيا، فلا يستطيع الإنسان أن يَبتعد عن مثل هذه الأمراض التي اعترت قلوب كثير من الناس إلا باللجوء إلى الله ﷿ وصدق محبته، ولا ننسى أن العبادة الحقة هي كمال المحبة مع كمال الذل؛ فلماذا يحرم الإنسان نفسه من حلاوة محبة الله ﷿ ومحبة رسوله ﷺ؟ ولماذا لا يذوق لذة هذه الحلاوة؟!
ثم انظر للأمر الثاني وهو (الحب في الله)؛ فإذا أحببتَ فيجب
_________________
(١) «الوابل الصيب» لابن القيم (ص ٨)، باختصار.
[ ١٧٣ ]
أن تحب في الله، وإذا كرهت يجب أن تكره في الله، فكل ذلك تبع للأمر الأول؛ فقال بعد ذلك: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»، فإذا أحببتَ أمرًا بعد هذا فإنه يجب أن يكون لله ﷿، ويجب أن يكون تبعًا لهذه المحبة، ويكون مرتبطًا بها، فاعلم هذا والزم هذا الأمر.
فإذا كان العبد متعلقًا بحبِّ الله وحبِّ رسوله ﷺ؛ فإنه لن يحب شيئًا إلا إذا كان حبه لله ﷿، ولذلك إذا كنت مشمرًا في الطاعات، ملتزمًا بسائر القربات- سواء كانت تلك الطاعات والقربات فرائض أو نوافل- فهذا علامة على أن هذا العبدَ محبٌّ لله ﷿ ولرسوله ﷺ؛ فصلة الأرحام والإحسان للجار وإكرام الضيف ونحو ذلك .. كل هذه الأمور إذا فعلها الإنسان بقصد تحقيق محابِّ الله ﷿ ومراضيه، فإن في هذا علامة صدق على أنه أحب هذا الشيء لله ﷿.
وهكذا الأمر الثالث: (كراهية ما يضاد محاب الله)، ومثاله: أن يكره العبد يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار، فالمؤمن مبغضٌ للكفر، ومبغضٌ لأنواع المعاصي والذنوب، لأنَّ الإيمانَ شُعُبٌ، كما أنَّ الكفرَ شُعُبٌ، فكل طاعة هي شعبة من شُعُب الإيمان، وكل معصية هي شعبة من شعب الكفر.
فعلى العبد أن ينظر لحاله مع المعاصي؛ فإن ركن إليها واطمأن بها وارتاحت نفسه إليها، فليعلم أنَّ هناك خللًا في إيمانه، وسيفقد من حلاوة الإيمان بقدر ذلك الخلل، وإن كان يكرهها كما يكره أن يلقى في النار؛ فليعلم أن هذا من علامات الإيمان.
وهذا هو الذوق والوجد الحقيقي، وهو الذوق والوجد الإيماني، الذي يُحَبِّب إلى النفس كلَّ طاعة من الطاعات، ويُكَرِّه
[ ١٧٤ ]
إلى النفس كل معصية من المعاصي، فإذا وجد الإنسان هذه الحلاوة فهيهات أن يجد في قلبه مكانًا للغِلِّ، أو مكانًا للحسد، أو مكانًا للحقد، أو مكانًا للكبر، أو مكانًا للاستهزاء، أو نحو ذلك من المعاصي والذنوب.
فعلينا أن نعرض قلوبنا على هذه الأمور الثلاثة:
ما حالنا مع محبة الله ومحبة رسوله ﷺ؟
وما حالنا مع محبة ما يحبه الله ﷿؟
وما حالنا مع كراهة ما يَكرهه الله ﷿؟.
فإذا كان حالنا على هذه الأوصاف التي ذكرها النبيُّ ﷺ؛ فسنجد حلاوة الإيمان لا محالة؛ لأن النفس لابد أن تسكن لشيء، فإذا كان سكونها وراحتها وطمأنينتها في مقام الإيمان؛ ففهذه هي السعادة في الدنيا والآخرة، وبهذا تستغني، وبهذا تزكو، والله ﷿ قد قال: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠].
ولنا في الناس عبرة! فانظر إلى أولئك الذين انغمسوا في الشهوات وفي رذائل الأمور؛ كمَن انغمس- مثلًا- في المخدرات، ومالت نفسه إلى هذا الطريق المظلم، فيكون في هذا ضياع دينه وماله وعرضه وعقله وكل أمره؛ لأنه اتبع هواه، ولذلك قال الله ﷿: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، أي: أصبح مضيعً؛ فلم يَعد يعرف ما به صلاح نفسه، حتى إن الواحد مِنْ هؤلاء قد يُختم له بخاتمة سوء والعياذ بالله؛ لأنَّ بعضهم قد يتعاطى هذه الأشياء في دورات المياه، ويصل به الحال أن يموت ووجهه في المرحاض؛ لأن قلبه قد تعلق بمثل هذه الأمور، فانظر إلى هذه الخاتمة والعياذ بالله.
[ ١٧٥ ]
ثم انظر إلى ذاك الذي مات وهو ساجد في بيتٍ من بيوت الله ﷿، فشَتَّان بين الحالين.
ولذلك قال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان مَنْ رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا»، فالإيمان له طعم يذوقه المؤمن، كما أنَّ له حلاوة؛ إذا رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالطبع عمل لازم هذا الرِّضا.
ولذلك المؤمن المستقيم تجده في سعادة، وتجد في عموم أمة النبي محمد ﷺ من الخير ما لا يُوجد في غيرها من الأمم.
ونحن نرى في عالم اليوم كيف أنَّ أهل الكفر إذا عرفوا هذا الدين معرفة صحيحة، أو رأوا تعاليمه- أقرُّوا بكماله وسُمُوِّه وما لَه من مكانة سامقة، وبالتالي نرى الداخلين في دين الله ﷿ يزداودن كلَّ يوم.
ومع ما نراه من حملة شعواء على الدِّين، وعَداء له مِنْ قِبل أعدائه، ومع ما نراه من خلل وانحراف عند بعض المسلمين، إلا أنه من النادر أن يرتد عنه من انتسب إليه؛ إذا كان يعرف حقيقته، وما نسمعه من تنصير ونحو ذلك إنما هو لفئة قليلة قد تكون جاهلة لا تعرف الدِّين، بعد أن احتال عليهم أولئك المحتالون بأنواع الحيل، ومنها العمل على تنصير أطفال المسلمين، ومن ذلك ما يفعلونه في بعض دول الإسلام؛ حيث يبنون للأطفال اليتامى دورًا؛ يبثون فيها النصرانية، ويربونهم عليها.
أو يأتون لقرى نائية ويقدمون لهم المساعدات الغذائية ونحو ذلك، ويدعونهم إلى النصرانية حتى يحصلوا على هذه المساعدات ..
ومما يحكى أنهم في إحدى تلك البلدان؛ لما نصروا قرية جاءوا يُمَنُّونهم ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن نذهب إلى مكة للحج.
[ ١٧٦ ]
ثم يقولون بعد ذلك: نحن في هذا المجتمع استطعنا أن ننصر كذا وكذا.
فقل أن يخرج مسلم من دينه إذا كان على علم به؛ فالذي يذوق طعم الإيمان لا يفرط فيه أبدًا، لأنه لن يجدها أبدًا في الكفر.
فهناك حلاوة، وهناك لذة، وهناك أُنس، وهناك سعادة- لكن لا يُمكن أن تنال إلا من طريق اتِّباع الشَّرع، أمَّا البحث عنها من طريق آخر فليس إلا خبال وضلال واستدراج من الشيطان وتلاعب، ولذلك قال المصنف: «وأمَّا أهل الكفر والبدع والشهوات فكلٌّ بِحَسَبه»، فأهل الكفر لهم ذوقهم ولهم وجدهم؛ لكن هذا الوجد وهذا الذوق ظلمة وحسرة وندامة يجدونها في أنفسهم في هذا الأمر.
ومن ذلك ما حكاه أهل الكلام دليلًا على حيرتهم وضلالهم؛ فيقول بعض رؤسائهم، وهو الرَّازي:
نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ … وَأَكْثَرُ سَعْيِ العَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا … وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
ولَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُ
ويقول آخر:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ المَعَاهِدَ كُلَّهَا … وسيَّرتُ طَرفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعَالِمِ
فَلَم أَرَ إلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ … عَلَى ذَقْنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ (^١)
فحيرة وضلال وتهوك لدى أهل الكلام، وهكذا لدى أهل التصوف، فكل بحسب حال ذوقه ووجده؛ لكن هذا الذوق وهذا الوجد مثل ما يكون لشارب الخَمر؛ وهو في الحقيقة نوع من خداع النفس؛ يجده للحظات، ثم بعدها يفتقده ويعقبه حسرة وظلمة
_________________
(١) نقل هذه الأقوالَ المصنفُ في «الفتوى الحموية» (١٩١، ١٩٢).
[ ١٧٧ ]
في نفسه وسواد في قلبه، وغبرة في وجهه.
ولذلك قيل لسفيان بن عيينة: ما بالُ أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: أنسيتَ قوله تعالى: ﴿وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ [البقرة: ٩٣]؛ فيُشرب هذا الأمر، وتَتلبسه النفسُ، وتتغذى به، وتَنشأ عليه، فإذا أُشرب هذا الأمر تجده محبًّا لباطله، وتجده بعد ذلك كما قيل: «حبك الشيء يعمي ويصم» (^١).
قال المناوي: «أي: يجعلك أعمى عن عيوب المحبوب، أصم عن سماعها؛ حتى لا تُبصر قبيح فعله ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى القبيح منه حسنًا، وتسمع منه الخنا قولًا جميلًا … أو يعمى ويصم عن الآخرة، أو عن طرق الهدى، وفائدته: النهي عن حبِّ ما لا ينبغي الإغراق في حبِّه» (^٢).
حتى إنهم يقولون في الأمثال: (لا تقل للعاشق إلَّا زد)، فيشرب الإنسان الباطل، ويتلبس بحبِّ الباطل حتى إنه يعميه عن معرفة الحق؛ فهؤلاء لهم قُلوبٌ لكن لا يفقهون بها، ولهم أَعينٌ لكن لا يُبصِرون بها، ولهم آذانٌ لكن لا يسمعون بها؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، وساروا في باطلهم.
وقد كَشَف أبو الوفاء ابن عقيل هذه الخبيئة في نفوسهم، وهي أنهم يريدون التحلل من التكاليف؛ فقال: «لما صعبت التكاليف على الجُهَّال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاعٍ
_________________
(١) أخرجه مرفوعًا أحمد في «المسند» (٥/ ١٩٤)، ثم قال: «وحدثناه أبو اليمان لم يرفعه»، وأبو داود (٥١٣٠)، من حديث أبي الدرداء؟، وأورده السيوطيُّ في «الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة» (ص ١٨٦)، وقال: «الوقف أشبه».
(٢) «فيض القدير» (٣/ ٣٧٢) باختصار.
[ ١٧٨ ]
وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع؛ مثل: تعظيم القبور …» (^١).
ثم قال المصنف: «فعبَّاد الأَصْنَام يحبونَ آلِهَتهم؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ومن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبِّ الله والَّذين آمنُوا أَشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال: ﴿فَإِنْ لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم ومن أضلّ مِمَّنْ اتبع هَواهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ [القصص: ٥٠]، وقال: ﴿إِنْ يتبعُون إِلَّا الظَّن ومَا تهوى الأَنْفس ولَقَد جَاءَهُم من رَبهم الهدى﴾ [٢٣ النجم]».
وهنا بَيَّن المصنف أنَّ عُبَّاد الأصنام يحبون تلك الآلهة، ولهم ذوق ووجد وخضوع تجاهها؛ ولكنه خضوع فاسد وباطل، فالإنسان يرى في أحوال الناس أن الإنسان يسير إلى مَهلكة، ويعرف أن نتيجته الهلاك، لكن هو في عمى وفي صمم عن سماع أي نصيحة؛ لأن حب هذا الشيء تمَلَّك قلبه، فلم يَعد يقيس هذه الأمور بمقياس صحيح، بل صار قياسه فاسدًا، وترتب عليه حب الذات، وهو حب فاسد، كحبِّ عُبَّاد الآلهة لها، وكحبِّ صاحب الشهوة لشهوته، وكحب صاحب البدعة لبِدعته.
فمن ثبت على الحقِّ وأصبح مقياسه هو طريق الحق- أصبح في الذوق والوجد والمحبة الحقيقية، ومن كان منحرفًا إلى كفر أو بدعة أو إلى شهوة فقد انحرف في حبِّه وذوقه ووجده إلى أمر فاسد، ولذلك قال الله ﷾ عن هؤلاء: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾ [القصص: ٥٠]؛ فأصبح الهوى حاجرًا ومانعًا وسدًّا عن
_________________
(١) انظر: «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص ٣٥٤).
[ ١٧٩ ]
قبول الحق، ثم قال: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ [القصص: ٥٠]؛ فغاية الضلال أن يكون الإنسان متبعًا لهواه، فهذا الاتباع للهوى سيضله وسيبعده عن طريق الهدى؛ قال تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣]؛ فالظن هنا إشارة إلى القياس الفاسد، ﴿وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣]: إشارة إلى اتباع الهوى؛ فالعبد أمامه عدوان: ظن وقياس فاسد، وهوى متبع، فإذا سَلَّمه الله من هذين، وجعل قياسه مبنيًا على كلام الله وكلام رسوله ﷺ فقد نجا، وإذا كان هواه وأمره تابعًا لأوامر الله ﷿ فقد نجا.
أما إذا ترك شرع الله ﷿، ثم سار وَفْق هوى نفسه؛ فليعلم أنه على مهلكة، وكذلك إذا كان على غير علم بكلام الله وكلام رسوله ﷺ؛ فسيستبدل هذا بظنٍّ فاسد، وإذا لم يكن على معرفة بالحق سيستبدل الحق بالباطل.
فحذرنا الله من هذه الحال؛ فلا يُظن أن هذا فقط حكاية وخبر عن الأوائل، وإنما هي أسباب الهلاك في كل زمان.
ولهذا يميل هؤلاء- بسبب الظن الفاسد واتباع الهوى- ويُغرمون بسماع الشعر والأصوات التي تُهَيِّج المحبة المطلقة.
والسماع نوعان: سماع قرآني، وسماع شيطاني.
فإذا نظرت إلى مجالس هؤلاء وموالدهم- تجدهم يستمعون لأشعار فيها من البدع وفيها من الكفر وفيها من الشرك والضلال ما الله به عليم؛ فاستعاضوا واستبدلوا بسماع كلام الله ﷿ ومدارسته في المساجد- هذا السماع الشيطاني، الذي قد يجتمع معهم فيه النِّسوان والمُردان (^١)، فيحدث الاختلاط، ويتبعه أمور منكرة
_________________
(١) جمع أمرد، والأمرد: هو الغلام الحَسَن الذي لم تَنبت لحيتُه بعد.
[ ١٨٠ ]
من شرب للخمور والمخدرات ونحو ذلك.
فهم في ذوق وفي غَرَام، لكنه مَسلك شيطاني.
وأهل المعاصي يجعلون من العشق ونحو ذلك كأنه سعادة الدارين؛ فسماعهم للغناء الفاسد الذي يدعو إلى الفحش والخمر وأنواع الفساد- من أحب الأمور لديهم.
وأما أهل الإيمان فقلوبهم- كما قال الله ﷿ فيهم: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فنفس المؤمن تطمئن لسماع كلام الله ﷿، وتتشوق إلى نعيمه عند سماع وعده، وتخشع وتلين من الخوف عند سماع وعيده.
فالمؤمنون عندما يسمعون هذا السماع القرآني يستقيمون على أمر الله ﷿، ويرغبون في طاعته سبحانه، ويسعدون بالأنس به.
فشَتَّان بين حال سماع القرآن وسماع أهل الباطل ..
قال المصنف: «وهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالكتاب والسّنة ومَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الأمة».
فالمحبة لا يجوز أن تكون محبَّة مطلقة، إنما الواجب أن تكون محبة مقيدة بالضوابط التي جاءت بها النصوص الشرعية، فليس للعبد أن يأتي بأي محبة أو أي فعل من عنده، بل هو مطالب بمحبة شرعية، وهذه المحبة الشرعية لا تُنال إلا بالطرق الشرعية، فالعبودية أساسها: كمال المحبة مع كمال الذل والخضوع.
وخلاصة القول: أنه لا نجاة إلا باتباع الهدى؛ فمن لم يكن متبعًا للهدى علمًا وعملًا؛ فإنه يكون مائلًا إلى طريق الباطل، وأهل الباطل من أوصافهم: اتباع الظن وهوى الأنفس.
فانظر إلى أهل الكلام، وانظر في أهل التصوفّ فلك فيهم عبرة
[ ١٨١ ]
ماثلة أمامك، كيف أنهم ضَلُّوا وأضلوا وانحرفوا وزَلُّوا، مع أن الحق في غاية الوضوح والبيان؛ لأن ما جاءوا به ليس من الحق في شيء، حتى إنهم في أنفسهم فَرَّقوا بين ما زعموه وما جاء به الحق، فلذلك قالوا عن الحق: إنه شريعة، وقالوا عن زعمهم: إنه حقيقة، وقالوا عن الحق: إنه ظاهر، وقالوا عما زعموه: إنه باطن، فاعرض هذه التفرقة على هذا المقياس: هل هي اتباع لما جاء من الله ﷿؟ أو مخالفة له؟ وإذا كانت مخالفة؟ أليست اتباعًا للظنِّ؟ واتباعًا لهوى الأنفس؟!
فالمؤمن عليه أن يتعظ بحال هؤلاء، ويعلم أنه على خطر في حال ابتعاده عن الهدى علمًا وعملًا وتطبيقًا ودعوة وسلوكًا.
وإن لزم طريق الحق فسيكون عنده من المحبة ومن الحلاوة ومن الطَّعم والذوق ما يُغنيه عن كل ما سوى ذلك.
* * *
[ ١٨٢ ]