قال المصنف ﵀: «وإِنَّمَا ينجو العَبْدُ مِنْهَا بملازمة أَمْرِ الله الَّذِي بَعَثَ به رَسُولَه، فِي كل وقت، كما قال الزُّهْريُّ: «كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنا يَقُولُونَ: الاعْتِصام بِالسُّنَّةِ نَجاة» (^١). وذَلِكَ أَنَّ السُّنَّة كَمَا قال مَالكٌ ﵀: «مِثل سَفِينة نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نجَا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ» (^٢).
على العبد أن يعلم أنَّ مدار أمره على طاعته لله ﷾، وأنه يجب عليه في جميع أحواله أن يكون طائعًا لله مستجيبًا له ﷿ في السراء والضراء، وهو مأجور في الحالتين، كما قال ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن؛ إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرَّاء صَبَر، فكان خيرًا له» (^٣)؛ فالشكر عبادة والصبر عبادة، ولذلك جاء في الأثر: «الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر» (^٤).
فالإنسان يدور بين الصبر والشكر، والصبر أنواع ثلاثة كما ذكر العلماء: «الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٩٧)، واللالكائي مختصرًا في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٦٢).
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٠٨)، والهروي في «ذم الكلام وأهله» (٥/ ٨١)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٤/ ٩).
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب؟.
(٤) أخرجه الشهاب في «مسنده» (١/ ١٢٧) برقم (١٥٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٢/ ١٩٢) من حديث أنس؟ مرفوعًا، ورمز السيوطي لضعفه في «الجامع الصغير» (١/ ٢٧٦)، وقال الألباني في «الضعيفة» (٦٢٥): «ضعيف جدًّا».
[ ٢٠١ ]
- أيضًا- على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا» (^١)؛ فلا بد من الصبر والأخذ بأسباب النصر.
فالنجاة والمخرج والطريق الصحيح المستقيم للعبد أن يدور مع أمر الله وأمر رسوله ﷺ، وعليه أن ينظر في كل وقت وفي كل حال إلى أمر الله وأمر رسوله ﷺ له، ويسلك سبيل العلم ليحصل معرفة ذلك ثم يقوم بواجب العمل بمقتضى ذلك، فالنجاة أن يكون العبد موافقًا لهدي النبي ﷺ؛ إذ أمر الله باتباعه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولذلك قال الزهري ﵀: «كان مَنْ مضى مِنْ سَلفنا يقولون: «الاعتصام بالسنة نجاة».
فإذا أراد العبد أن ينجو وأن يحقق العبودية الحقة لله ﷿، وأراد أن يستقيم له فكره وإرادته وجوارحه- فما عليه إلا أن يعتصم بالسنة ويَلزمها علمًا وعملًا وإرادة وسلوكًا وتفكيرًا؛ فالاعتصام بالسنة يهدي إلى الحق في كل باب وفي كل حال وفي كل وقت؛ لأنها وسط بين الإفراط والتفريط.
وهذه الموازنة قد يفقدها الإنسان بسبب ظن خاطئ؛ فعلى سبيل المثال إذا أراد أن يفاضل بين عبادة وأخرى، فالسنة هي التي تبين له أيتهما أولى وأحق بالتقديم.
فالقصد أن ينظر الإنسان إلى ما جاءت به السُّنَّة؛ فهي كسفينة نوح ﵇ مَنْ ركبها نجا، ومَن تخلف عنها غرق.
* * *
_________________
(١) انظر: «شرح النووي على مسلم» (٣/ ١٠١)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.
[ ٢٠٢ ]