قال المصنف ﵀: «والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه، ودفع ما يضرُّه. وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله، فلا يسأل رزقه إلا من الله، ولا يشتكى إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾» [يوسف: ٨٦].
في كلا الأمرين من جلب النفع ودفع الضر- شُرع للإنسان أن لا يسأل إلا الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، ومن المعلوم أن الإنسان في حوائج دنياه وفي حوائج أُخراه يدور بين هذين الأمرين: جلب ما ينفعه، ودفع ما يضرُّه.
فمثلًا يسأل العبدُ ربَّه ﷿ الغِنى، ويستعيذ به من الفقر، ويسأل الله ﷿ القوة، ويستعيذ به من الضعف، وهكذا في كل أموره.
ولكن الإنسان إذا مسه الضرُّ لجأ إلى الله ﷾، وأمَّا في حال استغنائه ورخائه؛ فإنه قد يَنسى، ولذلك يقول الله ﷾: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦]؛ فترى الإنسان في حال رخائه بعيدًا عن الله ﷾، ولا يلجأ إليه ولا يشكره ﷿ على ما أولاه من نِعَم، مع أن الواجب المتعين على كل أحد أن يلجأ إلى الله ﷾ في جلب المنفعة وفي دفع المضرة.
ولذلك عَلَّمنا النبيُّ ﷺ أن ندعو الله ﷿ في كل شيء، حتى
[ ٢٦١ ]
في إصلاح شِسع النَّعل (^١)؛ فعن أنسٍ؟، قال: قال رسول الله ﷺ: «لِيَسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلها، حتى يَسأل شِسْعَ نَعله إذا انقطع» (^٢).
قال ابن بطَّال: «ليستشعر العبدُ الافتقارَ إلى ربِّه فى كل أمر وإن دَقَّ، ولا يَستحيى من سؤاله ذلك» (^٣).
فالعبد في كل أحواله لا بد أن يلجأ إلى الله ﷿، فإذا شُرع له سؤال الله في مثل هذا الأمر اليسير، فعليه أن يلزم دعاءه في جميع أحواله؛ سواء كان دعاء ثناء أو دعاء مَسألة.
* * *
_________________
(١) شسع النعل: سَيْر من سُيورها التي تكون على وجهها؛ يَدخل بين الإصبعين.
(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٨٣)، وحسَّنه الألباني في «المشكاة» (٢٢٥١).
(٣) «شرح صحيح البخارى» لابن بطَّال (١٠/ ١١٨).
[ ٢٦٢ ]