قال المصنف ﵀: «وفى «الصَّحيح» عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «تَعِسَ عبدُ الدِّرهم، تَعِسَ عبدُ الدِّينار، تَعِسَ عبدُ القَطيفة، تَعِسَ عبدُ الخميصة، تَعِس وانتكس، وإذا شِيك فلا انتقش؛ إن أُعطي رَضِي، وإن مُنِع سَخِط» (^١).
فسَمَّاه النبيُّ ﷺ عبدَ الدِّرهم، وعبدَ الدينار، وعبد القَطِيفة، وعبد الخميصة، وذكر ما فيه دعاء وخبرًا، وهو قوله: «تَعِس وانتكس، وإذا شِيك فلا انتُقِش»، والنقش: إخراج الشَّوكة من الرِّجْل. والمنقاش: ما يُخرج به الشوكة.
وهذه حال مَنْ إذا أصابه شَرٌّ لم يَخرج منه ولم يُفلح؛ لكونه تَعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنَّه إذا أُعطي رضي، وإذا مُنع سخط، كما قال تعالى: ﴿ومنهم مَنْ يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨]؛ فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله».
ذكر المصنف المعوق الثاني من معوقات تحقيق العبودية لله تعالى: وهو تعلق الإنسان بالدنيا على حساب تحقيق العبودية لله تعالى، واستدل لذلك بقول رسول الله ﷺ: «تَعِس عبدَ الدِّينار،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٢٣٨ ]
تَعِس عبدَ الدِّرهم، تَعِسَ عبدَ القَطِيفة، تَعِس عبدَ الخميصة، تَعِسَ وانتكس، وإذا شِيك فلا انتقش؛ إن أُعطي رَضِي، وإن مُنِع سَخِط»، فمَن عبدَ الدينار والدرهم ولهث وراءهما- لا يُحِلُّ حلالًا ولا يُحرم حرامًا من أجل اكتسابها، وكان همه هو جمع المال وزينة الدنيا من ملبس ومركب ومسكن ونحو ذلك، ولا يبالي من أين اكتسب هذا المال ولا فيما أنفقه، ويغرُّه المال وينسى أنه سيسأل عنه يوم القيامة؛ كما جاء في الحديث: «لا تزول قَدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عُمره فيما أفناه، وعن عِلمه فِيم فَعَل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جِسمه فيم أبلاه» (^١).
وقد سمَّاه النبيُّ ﷺ عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة؛ لأن العبودية في أصلها هي الذُّلُّ والخضوع، وهذا المحب لهذه الأشياء الجامع لها والمغتر بها- يحمله حبها لها على الذل والخضوع في طلبها وجمعها، ويكون ذلك على حساب دينه وعبوديته لربه، وتبقى أقواله وأعماله وحركاته وسكناته تبعًا لتحصيل هذه الأشياء ويلهث وراءها؛ فتستعبده.
وقوله: «فيه دعاء وخبر، وهو قوله: «تعس وانتكس»، فهذا دعاء عليه فما بالك بمن دعا عليه النبيُّ ﷺ؟! فيجب أن يحذر من ذلك، ولو علم بحقيقة دعوة النبي ﷺ لضاقت الدنيا عليه.
وكذلك الخبر: «وإذا شِيك فلا انتقش»، أي: إذا أصابته شوكة ما استطاع إخراجها.
لذا يجب على الإنسان أن يحتاط لنفسه؛ لأن هذه الأمور قد
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٥٥٤) والترمذي (٢٤١٧) من حديث أبي برزة الأسلمي؟، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٦).
[ ٢٣٩ ]
تقع في النفس وتهواها وتتعلق بها؛ بحيث يصعب عليها مفارقتها، وبالنظر لأحوال تجد بعض أهل الدنيا ممن عندهم من الأموال ما يكفي أمة من الناس، ومع ذلك تراه على حالة رثة، وتجده من أبخل الناس على نفسه، وهو في ضنك من العيش وفي هَمٍّ وغم، وقد لا ينام الليل؛ بسبب أن حبَّ الدنيا قد تمكن في قلبه، وأصبح عبدًا خادمًا للمال بدل أن يكون هذا المال وسيلة لقضاء حوائجه.
قال المصنف ﵀: "وهذه حال مَنْ إذا أصابه شَرٌّ لم يَخرج منه ولم يُفلح؛ لكونه تَعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنَّه إذا أُعطي رضي، وإذا مُنع سخط، كما قال تعالى: ﴿ومنهم مَنْ يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨]؛ فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله».
وهذا من دعوة النبي ﷺ على مَنْ هذا حاله؛ قال المصنف: «وهذه حال من أصابه شرٌّ لم يخرج منه ولم يُفلح؛ لكونه تَعس وانتكس»، فشرٌّ ووبال على الإنسان أن يكون على مثل هذا الحال، وسيأتي أن مدار هذه الأمور كلها على الحبِّ؛ لأن تعريف العبادة هي كمال المحبة مع كمال الذُّلِّ، فأصل الأمر هو الحب، فإذا كان حبك لله ﷿ تعَلَّقَ القلب بما يُرضي الله ﷿، وسعى في تحقيقه، وإذا اختل هذا الحب وتعلق بغير الله ﷾ فهذا هو الذل بعينه، وهو الحياة الضنك والشقاء والانتكاس.
ولما كان كل إنسان إنما يبحث عن السعادة والحياة الطيبة- لزم أن يعلم أنها في اتباع منهج الله؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ
[ ٢٤٠ ]
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وأن التعاسة والشقاء في الإعراض عن منهجه جل وعلا؛ قال سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].
لذلك دعا النبي ﷺ بالتعاسة على من تعلق قلبه بمثل هذه الفانية واستعبدته؛ لأن عاقبتها إلى شقاء، وإلى انتكاس، وإلى تعاسة متحققة؛ كما أخبر النبي ﷺ.
وقد وصف النبي ﷺ المتعلق بالدنيا بأنه إذا أُعطي رضي، وإذا مُنِع سخط، وهذا حال كثير من الناس ممن استعبدتهم الدنيا، حتى إنهم ليتسخطوا أقدار الله ﷿؛ إن أعطاهم نعمة رضوا بها وفرحوا، وإن منعهم تسخطوا وجزعوا؛ وقد قال الله تعالى في وصف هؤلاء: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦].
* * *
[ ٢٤١ ]