قال المصنف ﵀: «ومَن تَوَهَّم أن المخلوق يَخرج من العبودية بوجهٍ من الوجوه، أو أنَّ الخروج عنها أكمل؛ فهو مِنْ أجهل الخلق، بل من أضَلِّهم؛ قال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عباد مُكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم مِنْ خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]، وقال تعالى في المَسيح: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾ [الزخرف: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، وقال تعالى: ﴿لن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٢، ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار
[ ٢٢٦ ]
والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون﴾ [فصلت: ٣٧، ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥، ٢٠٦].
وهذا ونحوه- مما فيه وصف أكابر الخلق بالعبادة، وذم مَنْ خرج عن ذلك- متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك؛ فقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى لبنى إسرائيل: ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾ [العنكبوت: ٥٦]، ﴿وإياي فاتقون﴾ [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]، وقال: ﴿وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين * قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل الله أعبد مخلصًا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [الزمر: ١١ - ١٥].
وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله؛ كقول نوح ومن بعده- ﵈ في سورة الشعراء (^١) وغيرها: ﴿اعبدوا الله
_________________
(١) جاء قولُ نوح ﵇ في سورة الشعراء بلفظ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٦ - ١٠٩].
[ ٢٢٧ ]
ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩] (^١).
وفي «المسند» عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ أنه قال: «بُعثتُ بالسَّيف بين يدي السَّاعة حتى يُعبد الله وحده لا شريكَ له، وجُعل رِزقي تحت ظِلِّ رُمحي، وجُعل الذِّلَّة والصَّغار على مَنْ خالف أمري» (^٢).
وقد بَيَّن أنَّ عباده المخلصين هم الذين يَنجون من السيئات التي زيَّنها الشيطان؛ قال الشيطان: ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، قال تعالى: ﴿هذا صراطٌ عليَّ مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤١، ٤٢]، وقال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال في حَقِّ يوسف: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿سبحان الله عما يصفون * إلَّا عباد الله المخلصين﴾ [الصافات: ١٥٩، ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠].
وبالعبودية نعت كلَّ مَنْ اصطفى مِنْ خلقه؛ كقوله: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧]، وقوله: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب﴾ [ص: ١٧]، وقال عن
_________________
(١) جاء هذا في سورة الأعراف آية (٥٩)، و(٦٥)، و(٧٣)، و(٨٥)، وفي سورة هود آية (٥٠)، و(٦١)، و(٨٤)، وفي سورة المؤمنون آية (٢٣)، و(٣٢).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٢٢٨ ]
سليمان: ﴿نعم العبد إنَّه أَوَّاب﴾ [ص: ٣٠]، وعن أيوب: ﴿نعم العبد﴾ [ص: ٤٤]، وقال عنه: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه﴾ [ص: ٤١]، وقال عن نوح ﵇: ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وقال عن خاتم رسله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وهو أولى القِبلتين، وقد خَصَّه الله بأن جعل العبادة فيه بخمسمائة ضِعف، والمقصود بمضاعفة الحسنات: هو المسجد الذي حرقه اليهود عليهم لعنة الله، ويظن البعضُ أن المسجد الأقصى هو الصَّخرة والقُبَّة المحيطة بها، وليس كذلك، وقال: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ [الجن: ١٩]، وقال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وقال: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]، وقال: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ومِثل هذا كثير متعدد في القرآن».
رجع المصنف إلى الرد على المتصوفة، وسبق أن بعض أهل التصوف ظنوا أن العبودية مرحلة، إذا استطاعوا تجاوزوها وصلوا إلى مقام أكبر وأعظم، وهو مقام الخواص، وخواص الخواص؛ وبالتالي تسقط عنهم العبادة والتكاليف، ولا شك أن هذا باطل.
ولذلك قال: «ومَن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل- فهو مِنْ أجهل الخلق، بل من أضلهم». وهذه دعوى بعض المتصوفة الذين يزعمون أن العبادة ما هي إلا مرحلة، وهي أمور خاصة بالعوام، وأن الواحد منهم متى ما تخلى بخلواته وانشغل بأوراده وأذكاره الخاصة المبتدعة- فإنه
[ ٢٢٩ ]
يَنسلخ من هذه العبادة ويخرج منها، حتى إنه بعد ذلك لا يأتمر بمعروف ولا يَنتهي عن منكر؛ ويرى أن هذه الأمور تسقط عنه، وأن بلغ مقامًا أعظم من مقام عبادة الله ﷾، ولا شك أن هذا- كما قال المصنف- لا يقع إلا مِنْ أجهل الخلق ومِن أَضَلِّهم وأَبْعَدهم عن دين الله ﷿.
وهذه الآيات بَيَّنت أنَّ أفضلَ مَقام وأفضل وصف يتصف به جميع الخلق- بمن فيهم الرُّسل والملائكة- هو وصف العبودية؛ فالملائكة قال الله تعالى عنهم: ﴿بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]، فوصفهم بأنهم عباد له جل وعلا، وأنَّهم لا يَخرجون عن مقتضى هذه العبودية؛ فقال: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]، وهذه أخص أوصافهم.
وكذلك الرُّسل عباد لله، لا يخرجون عن هذا الوصف الذي هو شَرَفٌ لهم؛ فبعد أن أكرم الله رسوله ﷺ بالإسراء أنزل عليه قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]، ولما ذكر قصة ميلاد عيسى- ﵇ العجيبة، ذكر عبوديته له ﷾؛ فقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠، ٣١]، وهكذا في سائر الآيات التي ذكرت دعوة الرسل إنما هي دعوة لعبادة الله وحده.
فليس للعبد إلا أن يحقق عبودية الله ﷾، وهذا وحده هو سبيل الكمال وسبيل النَّجاة، وهو أساس دعوة الرُّسل، وأما دعوى
إسقاط العبادات فضلالٌ كبير وشر مستطير وخسران مبين.
والمصنف بعد أن أورد عددًا من الآيات في هذه المسألة- بَيَّن أن القرآن أكثر مِنْ ذكر شأن العبادة وبيان منزلتها، وتوضيح أنها هي
[ ٢٣٠ ]
الصلة بين العبد وبين ربه ﷿؛ لذا فمن أراد أن يحقق الصلة بينه وبين الله تعالى فليُحقق ما جاء في الحديث القدسي: «وما تقَرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يَزال عبدي يتقرب إليَّ بالنَّوافل حتى أُحِبَّه» (^١).
فتحقيق الصلة بالله والقُرب منه ومحبته ونَيْل رِضوانه وجَنَّته ﷿ إنَّما يكون بتحقيق العبادة، والسعيد مَنْ عرف، وبعد أن عرف لَزِم، فيَنبغي لزوم هذه الحقائق الشرعية، وعدم المَحيد عنها، ومهما حاول أولئك الضالُّون أن يَطمسوها فهي واضحة جلية بَيِّنَّة لكلِّ مَنْ كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما من ضل بترهات أولئك وأقوالهم وأباطيلهم فهو جاهل وما ضَرَّ إلا نفسه، ولو عاد إلى كتاب الله ﷿ وإلى سُنَّة رسوله ﷺ لرأى من مكانة العبادة وفضلها وعِظمها ما يجعله يجتهد في طاعة ربِّه وعبادته ﷿.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٢٣١ ]
قال المصنف ﵀:
«فصل