قال المصنف ﵀: «ومِنْهُم طَائِفَة يَغترُّون بِمَا يحصل لَهُمْ من خَرق عَادَة؛ مثل: مكاشفة، أَوْ استجابة دَعْوة مُخَالفَة للعَادَة، ونَحْو ذَلِك فيشتغل أحدُهم بِهَذِهِ الأُمُور عَمَّا أُمِر بِهِ من العِبَادَة والشُّكْر، ونَحْو ذَلِك.
فَهَذِهِ الأُمُور ونَحْوهَا كثيرًا مَا تَعرض لأهل السلوك والتَّوَجُّه».
ثم ذكر طائفة أخرى فقال: «ومنهم طائفة يَغترون بما يحصل لهم من خَرق عادة؛ مثل: مكاشفة، أو استجابة دعوة مخالفة للعادة، ونحو ذلك»، فبعض أهل السُّلوك وبعض أهل التصوف وبعض أهل العبادة- يسعون فيما يسعون إليه أن تكون لهم نوع كرامة خارقة للعادة، أو مُكاشفة، أو استجابة دَعْوة مُخَالِفَة للعَادَة، أو نحو ذلك مما قد يحصل لهم، وأحيانًا يكون هذا من تلبيس الشيطان، أو يكون فتنة لهم، أو استدراج.
أمَّا العبد المؤمن فينبغي أن لا يشغل نفسه بحصول كرامات على يديه، وإنما هو مُنشغل بطاعة ربه، وَجِلٌ مِنْ عدم قبولها، وقد سألت عائشةُ ﵂ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿والذين يُؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة: أهم الذين يَشربون الخمر ويَسرقون؟ قال: «لا يا بِنت الصِّديق، ولكنهم الَّذين يَصومون ويُصلون ويتصدقون، وهم يَخافون أن لا تُقبل منهم؛ ﴿أولئك يُسارعون
[ ١٩٧ ]
في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦١]» (^١).
فهذا الخوف يلازم المؤمن ولا ينفك عنه إلا عندما ينقطع العمل وتحضر ساعة الموت عند ذلك يُغَلِّبُ جانبَ الرَّجاء، وقد «جَاءَ سَائِلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ لابْنِهِ: أَعْطِهِ دِينَارًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنْكَ يَا أَبَتَاهُ! فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ تَقَبَّلَ مِنِّي سَجْدَةً واحِدَةً، أَوْ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ واحِدٍ، لَمْ يَكُنْ غَائِبٌ أَحَبَّ إِليَّ مِنَ المَوْتِ؛ أَتَدْرِي مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ اللهَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]» (^٢).
قال ابن رجب ﵀: «ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوفُ السَّلف على نفوسهم؛ فخافوا ألَّا يكونوا من المُتَّقين الذين يَتقبل الله منهم» (^٣).
ولذلك فمَن اتَّقى اللهَ في العبادة حَسُنت وقُبلت منه، ومن لم يتَّقِهِ فلا؛ ولذلك لا يركنن العبد إلى عمله، وليعلم أن تعلقه بالله ﷿ وليس بعمله.
فبعض هؤلاء إذا ابتلي وحصلت له استجابة دعوة مثلًا- ظن أنه قد استحق الولاية، وأن هذه الولاية لا تنفك عنه، بينما العبد قد يعطى من النعم ما يكون ابتلاء، وليس كل ما أنعم الله به على الإنسان إكرامًا له؛ لأن الله قد قال: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه﴾ [الفجر: ١٥]؛ فسَمَّى هذا الابتلاء إكرامًا وتنعيمًا، ﴿فيقول ربي أكرمن وإما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن﴾ [الفجر: ١٥، ١٦]، ثم جاء الجواب بعدها: ﴿كلا﴾ [الفجر: ١٧]،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤١٩٨)، والترمذي (٣١٧٥)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٥٣٧).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ٢٥٦).
(٣) «جامع العلوم والحكم» (١/ ٢٦٢).
[ ١٩٨ ]
يقول ابن القيم: «﴿كلا﴾ أي: ليس كل مَنْ وَسَّعت عليه وأعطيته أكون قد أكرمتُه، ولا كلُّ مَنْ ضَيَّقت عليه وقَتَّرت أكون قد أهنتُه؛ فالإكرام: أن يُكرم الله العبد بطاعته، والإيمان به، ومحبته ومعرفته. والإهانة: أن يَسلبه ذلك» (^١).
فكل هذا ابتلاء؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
فالعلم الذي أنعم الله به على العبد هو ابتلاء له، والمال الذي أعطاه الله ﷿ له هو ابتلاء له، والصحة ابتلاء؛ فكل نعم الله ﷿ على العبد إنما هي ابتلاء؛ ليمتحنه أيشكر أم يكفر؟ وسليمان ﵇ لمَّا جاءه عرش ملكة سبأ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
وقد قصَّ الله علينا قصة صاحب الجنتين؛ الذي قال: ﴿ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، فهذا مرض يَعتري بعض النفوس، حيث تظن أن إنعام الله ﷾ عليهم معناه: رضا الله عنهم في الدنيا والآخرة.
ولذلك حتى طالب العلم لا بد أن يعلم أن كل علم يكتسبه هو ابتلاء له، وأن ما حَصَّله ليس بحوله وقوته، وإنما كان بفضل الله عليه، وأنه سيسأل عنه يوم القيامة: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قَدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عُمره فيما أفناه، وعن عِلمه فِيم فَعَل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جِسمه فيم أبلاه» (^٢).
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٢/ ٤١٣).
(٢) أخرجه الدارمي (٥٥٤) والترمذي (٢٤١٧) من حديث أبي برزة الأسلمي؟، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٦).
[ ١٩٩ ]
فسيسألنا الله ﷿ عن عِلمنا؛ فلا يظن من حصَّل درجة علمية أو قَدْرًا من العلم- أنه قد أُعفي من مسئولية القيام بهذا العلم؛ من حيث العمل به ونشره، بل كل هذا ابتلاء من الله ﷿ له.
وقد يغتر الإنسان بعلمه، كما قد يغتر برؤيا رآها، أو بدعوة استجيبت له؛ فيظن أنه بهذا قد وصل إلى ولاية الله تعالى، وهو لا يعلم أن هذا كله ابتلاء من الله ﷿، وقد يكون استدراجًا من الشيطان؛ لأنه قد يخيل إليه أمورًا ليست حقيقية، كما يخيل لبعض المتصوفة أنه يرى الله ﷿؛ فيغتر ذاك الجاهل بهذا؛ لأنه لا يَعلم أن رسول الله ﷺ قال: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ» (^١)، فالشيطان يدخل على هؤلاء من قِلَّة علمهم؛ فيُلَبِّس عليهم مثل هذه الأمور.
فهذه الطائفة إذا خُرِقت لها عادة أو حصلت لها مكاشفة أو استجيبت لها دعوة، اشتغل الواجد منهم بهذه الأمور، ويُصرف بهذه الحالة عن الاجتهاد في العبادة المأمور بها، وتكون فتنة له.
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٢٠٠ ]