٢٩ (وقل: إنما الإيمان: قولٌ ونيةٌ) (وفعلٌ على قول النبي مصرح)
٣٠ (وينقص طورًا بالمعاصي وتارةً) (بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح)
قوله: (وقل إنما الإيمان ) إلخ
ذكر ﵀ في هذا البيت عقيدة أهل السنة في الإيمان وأنه عندهم يقوم على ثلاثة أركان: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالقلب والجوارح. وقد دل على دخول هذه الأمور الثلاثة في الإيمان أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وهي لا تحصى لكثرتها.
والناظم ﵀ كعادته يدعو صاحب السنة إلى العقيدة الصحيحة السالمة من الشوائب فيقول: (قل إنما الإيمان )
(قولٌ) وذلك بأن يقول المرء بلسانه ما أمره الله به، وهو على قسمين:
١- أصلٌ: وهو قول ما يقوم عليه الدين وينبني، وهو الشهادتان وفي الحديث:
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله "١.
٢- وفرعٌ: وهو ما يبنى على هذا الأصل وينمو عليه، وهو سائر الطاعات
_________________
(١) ١ البخاري برقم (٢٩٤٦)، ومسلم برقم (٢١) .
[ ١٠٣ ]
التي تؤدى باللسان كالتسبيح وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.
(ونية) أي اعتقاد صحيح في القلب يبني عليه عمله قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات " ١، فإذا كان عند الإنسان قول وعمل بلا نية في قلبه فهو المنافق وهو الذي يكون ذا أعمال صالحة في الظاهر وباطنه بخلاف ذلك، قال الله تعالى قي بيان حال المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة:١٤) . وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون:١) .
(وفعل) أي أن العمل داخل في مسمى الإيمان ولا يقول بخروجه إلا المرجئة. وقد سبق الكلام عليهم. والفعل هو العمل، وهو شامل لعمل القلب مثل المحبة والخشية والإنابة والحياء والتوكل وغيرها من أعمال القلوب، وعمل الجوارح مثل الصلاة والصيام والزكاة والجهاد وبر الوالدين وصلة الأرحام وغيرها من أعمال الجوارح.
ومن الأحاديث الجامعة لهذه الأمور الثلاثة؛ حديث أبي هريرة المعروف بحديث شعب الإيمان "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا
_________________
(١) ١ البخاري برقم (١)، ومسلم برقم (١٩٠٧) .
[ ١٠٤ ]
الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ١ فهذا الحديث الجامع دل على دخول ما يكون باللسان والجوارح والقلب في مسمى الإيمان.
أم دلالته على ما يكون باللسان ففي قوله: "أعلاها قول لا إله إلا الله"، والقول يشمل قول القلب وقول اللسان عندما يطلق. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:٣٠)
وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:١٣٦) .
فالمراد بقوله: ﴿قُولُوا﴾ أي بقلوبكم وألسنتكم. ولذلك لا ينصرف القول إلى القول باللسان فقط إلا عندما يقيد قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (آل عمران:١٦٧) . وهي صريحة في أن القول يكون بالقلب واللسان ولذلك أهل السنة عندما يقولون في كتبهم الإيمان قول فهو شامل لأمرين قول القلب وقول اللسان.
وأما دلالته على دخول ما يكون بالجوارح في مسمى الإيمان ففي قوله: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" وهذا يدل على دخول الأعمال في مسمى الإيمان. فإماطة الأذى عمل يقوم به الإنسان وهو جزء من الإيمان وشعبة من شعبه.
_________________
(١) ١ البخاري برقم (٩)، ومسلم برقم (٣٥) .
[ ١٠٥ ]
وأما دلالته على دخول ما يكون بالقلب في مسمى الإيمان ففي قوله: "والحياء شعبة من الإيمان" والحياء عمل من أعمال القلوب، وهو داخل في مسمى الإيمان، فالخشية والتوكل والرغبة والرهبة وغيرها من الأعمال القلبية المأمور بها كلها داخلة في مسمى الإيمان.
(على قول النبي مصرح) (مصرح) مبتدأ مؤخر خبره شبه الجملة (على قول النبي) وهذه الأمور الثلاثة مصرح بها كما قال الناظم في قول النبي ﷺ في أحاديث كثيرة فمن قال بذلك فقوله مبنيٌ على ما جاء عن الرسول ﷺ، ومما يدل دلالة صريحة على دخول الأعمال في مسمى الإيمان حديث وفد عبد القيس وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس –رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس" ١، وهو صريح في دخول العمل في مسمى الإيمان، والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
(وينقص طورًا ) أي الإيمان ينقص تارة، ففي هذا البيت يقرر الناظم أن الإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف.
_________________
(١) ١ البخاري برقم (٥٣)، ومسلم برقم (١٧) .
[ ١٠٦ ]
أما الزيادة فمصرح بها في القرآن. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (التوبة:١٢٤)
وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (مريم:٧٦)
وقال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء:١٠٩) والهدى والخشوع من الإيمان.
وأما النقصان فمصرح به في السنة قال رسول الله ﷺ: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين "١،
وهذا النقص لا تحاسب عليه المرأة؛ لأنها مأمورة بترك الصلاة والصيام وقت الحيض، وقوله ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"٢.
وقد جاءت آثار عن الصحابة صريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، فعن عمير بن حبيب الخطمي أنه قال: الإيمان يزيد وينقص. قيل وما زيادته ونقصانه؟ قال إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه. وفي هذا الباب ورد عنهم وعن السلف عمومًا آثار كثيرة، بل هو محل إجماع وموضع اتفاق
_________________
(١) ١ البخاري برقم (٣٠٤)، ومسلم برقم (٧٩) . ٢ مسلم برقم (٤٩) .
[ ١٠٧ ]
(بطاعته ينمي) أي أن الإيمان يزيد بطاعة الله، يقال: نمى ينمي نميًا ونماءً، أي: زاد وكثر، وفي نسخة: (بطاعته ينمو) وهو بمعناه يقال: نما ينمو نموًا، أي زاد وكثر. قال في اللسان: "نمى: النماء: الزيادة. نمى ينمي نميًا ونماءً: زاد وكثر، وربما قالوا: ينمو نموًا".١
(وفي الوزن يرجح) أي أنه في الميزان يوم القيامة يثقل؛ لزيادته بالطاعات والبعد عن معاصيه.
وفي هذين البيتين بين الناظم أمرين حول عقيدة أهل السنة في الإيمان هما:
١- أن الإيمان قول وعمل.
٢- أنه يزيد وينقص.
فالأول فيه رد على المرجئة، والثاني فيه رد على المرجئة وكذلك على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون إن الإيمان شيء واحد، لا يزيد ولا ينقص، والذي أفسد على جميع هؤلاء دينهم هو اعتقادهم أن الإيمان كل واحد لا يتجزأ، إذا ذهب بعضه ذهب كله.
ثم إن الإيمان يزيد بأمور ينبغي على المسلم أن يحرص عليها ليزداد إيمانه منها: تدبر القرآن، ومعرفة أسماء الله وصفاته، والتفكر في آيات الله ومخلوقاته، ودراسة سيرة الرسول ﷺ، وسير الأخيار من المؤمنين، والاجتهاد
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور (٨/٤٥٥١) .
[ ١٠٨ ]
في فعل الطاعات، وينقص بأمور ينبغي على المسلم أن يحذرها ليسلم إيمانه منها: اتباع خطوات الشيطان، وطاعة النفس الأمارة بالسوء، والافتتان بالدنيا، ومخالطة أهل الشر والفساد، والغفلة والإعراض، والانسياق وراء الشهوات.
والمسلم العاقل ينصح لنفسه في إيمانه لتثقل به موازينه يوم لقاء الله ﷿ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف٨٠) .
والناظم ﵀ يشير إلى هذا المعنى عندما قال: (وفي الوزن يرجح) .
[ ١٠٩ ]