الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.. فهذا شرح مختصر للقصيدة السنية والمنظومة البهية المشهورة بـ (الحائية) لناظمها الإمام المحقق والحافظ المتقن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف رحمهما الله.
وهي منظومة شائعة الذكر، رفيعة الشأن، عذبة الألفاظ، سهلة الحفظ، لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند أهل العلم في قديم الزمان وحديثه، وقد تواتر نقلها عن ابن أبي داود رحمة الله فقد رواها عنه غير واحد من أهل العلم كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين وغيرهم، وثلاثتهم من تلاميذ الناظم، وتناولها غير واحد من أهل العلم بالشرح.
[ ٣ ]
قال الذهبي ﵀ منوهًا بهذه المنظومة مبينًا لأهميتها: " هذه القصيدة متواترة عن ناظمها رواها الآجري وصنف لها شرحًا، وأبو عبد الله ابن بطة في الإبانة"١، وممن شرحها ابن البناء ٢، وشروحاتهم لا أعلم لها وجودًا، وممن شرحها أيضًا الإمام السفاريني وشرحه لها مطبوع في مجلدين بعنوان "لوائح الأنوار السَنية ولواقح الأفكار السُنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية".
وقد سميت هذا الشرح "التحفة السَنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية" وأصله دروس ألقيتها في مسجد الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عام ١٤١٧هـ كتبه عني أحد طلاب العلم فيها وهو الأخ الفاضل يحيى بن علي يحيى، ثم قمت بمراجعته والإضافة عليه وتنقيحه حسب الاستطاعة، وهو جهد المقل وبضاعة الضعيف المقصر، فما كان فيه من حق وصواب فهو من الله وحده، وما كان فيه من خطأ ونقص فهو بسبب ضعفي وقصوري وقلة علمي، ولا يفوتني هنا أن أشكر كل من قدم أي نوع من أنواع المساعدة والتعاون في سبيل إخراج هذا الكتاب سواء في صفه وتنضيده، أو مراجعته وتصحيحه، أو طباعته ونشره، وأسأل الله أن يجزي الجميع خير الجزاء، كما أسأله أن ينفع به ويتقبله بقبول حسن ويجعله لوجهه خالصًا ولعبادة نافعًا إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
_________________
(١) ١ العلو (٢/١٢٢٣) . ٢ ذكر ذلك ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (١/٣٥) .
[ ٤ ]
ترجمة موجزة للناظم ابن أبي داود١
اسمه ونسبه وكنيته: هو الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد، عبد الله بن الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث، أبو بكر السجستاني.
ولادته: ولد الإمام أبو بكر بن أبي داود بسجستان في سنة ثلاثين ومائتين (٢٣٠ هـ) .
نشأته وطلبه للعلم: سافر به أبوه وهو صغير من سجستان يطوف به شرقًا وغربًا بخراسان وأصبهان وبغداد والكوفة ومكة والمدينة والشام ومصر وغيرها يسمع ويكتب، واستوطن ببغداد، وكان أول شيخ سمع منه محمد بن أسلم الطوسي، وسر أبوه بذلك؛ لجلالة محمد بن أسلم.
وكان ذا أهمية عالية منذ صغره في التحصيل والطلب، ومن دلائل هذه الهمة قوله ﵀:"دخلت الكوفة ومعي درهم واحد، فأخذت به ثلاثين مد باقلا، فكنت آكل منه، وأكتب عن أبي سعيد الأشج، فما فرغ الباقلا حتى كتبت عنه ثلاثين ألف حديث ما بين مقطوع ومرسل"٢
وكان حافظًا متقنًا، قال رحمة الله: "حدثت من حفظي بأصبهان بستة وثلاثين ألف حديث، ألزموني الوهم فيها في سبعة أحاديث فلما انصرفت
_________________
(١) ١ يراجع في ترجمته سير أعلام النبلاء (١٣/٢٢١ وما بعدها) . ٢ تاريخ بغداد (٩/٤٦٦-٤٦٧) .
[ ٥ ]
وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت أحدثهم به".١
ويقول تلميذه أبو حفص ابن شاهين مبينًا قوة حفظه: "أملى علينا ابن أبي داود سنين وما رأيت بيده كتابًا، إنما كان يملي حفظًا فكان يقعد على المنبر بعدما كبر ويقعد دونه بدرجة ابنه أبو معمر بيده كتاب فيقول حديث كذا فيسرده من حفظه حتى يأتي على المجلس".
بعض شيوخه: روى عن أبيه، وأحمد بن صالح، ومحمد بن بشار، وعمرو بن عثمان الحمصي، وإسحاق الكوسج، وعمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن يحيى الذهلي.
بعض تلاميذه: حدث عنه خلق كثيرون منهم ابن حبان صاحب الصحيح، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وأبو أحمد الحاكم، وابن بطة، ومحمد بن عمر بن زنبور الوراق، وأبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب، ونصف بن علي الوزير، وأبو القاسم بن حبابة.
مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه: - قال الحافظ أبو محمد الخلال: " كان ابن أبي داود إمام أهل العراق، ومن نصب له السلطان المنبر، وقد كان في وقته بالعراق أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغه هو".
ـ وقال الخطيب البغدادي: " كان فقيهًا عالمًا حافظًا".٢
ـ وقال ابن خلكان: "كان أبو بكر ابن أبي داود من أكابر الحفاظ ببغداد، عالمًا متفقهًا عليه إمامًا".
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد (٩ / ٤٦٦) . ٢ تاريخ بغداد (٩ / ٤٦٤) .
[ ٦ ]
ـ وقال الذهبي: "وكان من بحور العلم بحيث إن بعضهم من فضله على أبيه". وقال أيضًا: "كان أبو بكر من الحفاظ المبرزين ما هو بدون أبيه، صنف التصانيف وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد". وقال أيضًا: "والرجل من كبار علماء المسلمين ومن أوثق الحفاظ".
عقيدته: كان ﵀ على عقيدة السلف أصحاب الحديث، وليس أدل على ذلك من منظومته الحائية هذه، فإنه قرر فيها - وعلى وجازتها - مجمل الاعتقاد على طريقة أهل السنة والجماعة.
وقد ثبت عنه أنه قال عقب هذه المنظومة: " هذا قولي، وقول أبي، وقول شيوخنا، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال علي غير ذلك فقد كذب".
وهي منظومة عظيمة في تقرير المعتقد الحق الذي كان عليه أهل السنة والجماعة تدل على مكانة ناظمها وسعة باعه، وحسن معتقده، وطيب نصحه.
وعلى كلٍ فإمامة ناظمها ومكانته معروفة لدى أهل العلم، فهو من أئمة السلف، وأوعية السنة، وحفاظ الحديث، ودعاة الحق والهدى، متفق على إمامته وفضله ﵀ وغفر له ولجميع أئمة المسلمين.
مؤلفاته: وصفه الذهبي بأنه صاحب التصانيف، فمن جملة تلك التصانيف: السنن، والبعث، والمصاحف، وشريعة المقارئ، والناسخ والمنسوخ.
[ ٧ ]
وفاته: توفي ﵀ ببغداد في شهر ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة (٣١٦هـ) عن سبعة وثمانين عامًا، وقيل صلى عليه زهاء ثلاثمائة ألف إنسان وأكثر، وخلف ثلاثة بنين: عبد الأعلى، ومحمدًا، وأبا معمرٍ عبيد الله، وخمس بناتٍ.
[ ١١ ]