وأيضا فقد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله الأرض، والسحاب أيضا فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله، والسماوات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها، فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجا إلى عرشه أو خلقه، أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار، وهو ليس يستلزم في المخلوقات، وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] .
وقول النبي ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»، وقوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» .
فمن توهم من هذه النصوص أن الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال باتفاق العلماء.
فلو قال القائل: العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل: في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء،
[ ٥١ ]
ولم يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السماوات، بل ولا الجنة، فإن السماء يراد به العلو سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها.
قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] .
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] .
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى كان المفهوم من قوله "إنه في السماء" أنه في العلو وأنه كان فوق كل شيء، وكذا الجارية لما قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، وإنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها.
وإذا قيل: العلو - فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم إلا الله، كما لو قيل العرش في السماء كان المراد أنه عليها.
[ ٥٢ ]
كما قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧، والنحل: ٣٦] .
وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] .
وقال عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] .
وبالجملة فمن قال: إن الله في السماء، وأراد أنه في جوف السماء، بحيث تحصره وتحيط به - فقد أخطأ وضل ضلالا بعيدا. وإن أراد بذلك أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب.
[إجماع أهل العلم على إثبات العلو]
وهذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، ومن لم يعتقد ذلك كان مكذبا الرسل، متبعا غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلا لربه، نافيا له، ولا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده، وهذا قول الجهمية.
والله تعالى قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا
[ ٥٣ ]