مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق أى استوى عليها، قال: ويدل على أن الاستواء هاهنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه، دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله، ثم يقال له أيضا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان أى استولى، إذا تمكن بعد أن لم يكن متمكنا. فلما كان الباري ﷿ لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.
ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؟
قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] بمعنى على الأرض، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] .
فإن قيل: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣]؟
[ ١٣٣ ]
قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في "السماوات"، ثم يبتدئ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾، وكيفما كان، فلو أن قائلا قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما.
ذكر قول الإمام الزاهد
أبي عبد الله ابن بطة
قال في كتاب (الإبانة) وهو ثلاثة مجلدات: باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه.
أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين على أن الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، فأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] فهو كما قالت العلماء.
واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: معنا وفينا، وقد فسر العلماء أن ذلك علمه، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال إنه علمه، فذكره عن
[ ١٣٤ ]