أقول وبالله التوفيق:
حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الأفكار أن تحيط، وعلى الألباب أن تصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ.
وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة؛ والسنة والجماعة، من السلف الماضين والصحابة والتابعين، من الأئمة المهديين الراشدين المشهورين إلى زماننا هذا: أن جميع الآي الواردة عن الله في ذاته وصفاته، والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله ﷺ في الله وفي صفاته التي صححها أهل النقل - يجب على المرء المسلم الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وتسليم أمره إلى الله كما أمر، وذلك مثل: قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]،
[ ١١٣ ]
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] .
ونظائرها مما نطق به القرآن: كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، والكلام، والعين، والنظر، والإرادة، والرضا، والغضب، والمحبة، والكراهة، والعناية، والقرب، والبعد، والسخط، والاستجابة، والدنو كقاب قوسين أو أدنى، وصعود الكلام الطيب إليه، وعروج الملائكة والروح إليه، ونزول القرآن منه، وندائه الأنبياء، وقوله للملائكة، وقبضه وبسطه، وعلمه، ووحدانيته، وقدرته، ومشيئته، وصمدانيته، وفردانيته، وأوليته، وآخريته، وظاهريته، وباطنيته، وحياته، وبقائه، وأزليته، ونوره، وتجليه، والوجه، وخلق آدم بيده، ونحو قوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦ و١٧] .
وسماعه من غيره، وسماع غيره منه، وغير ذلك من صفاته المذكورة في كتابه المنزل، وجميع ما لفظ به المصطفى من صفاته: كغرس جنة الفردوس بيده وشجره طوبى بيده، وخط التوراة بيده،
[ ١١٤ ]
والضحك والتعجب، ووضعه القدم، وذكر الأصابع، والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وكغيرته، وفرحه بتوبة العبد، وأنه ليس بأعور، وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه، وأن كلتا يديه يمين، وحديث القبضتين، وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ، وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات من حثياته فيدخلهم الجنة، وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط، وحديث («إن الله خلق آدم على صورته»)، وفي لفظ: («على صورة الرحمن»)، وإثبات الكلام بالحرف والصوت، وكلامه للملائكة ولآدم ولموسى ومحمد وللشهداء، وللمؤمنين عند الحساب، وفي الجنة، ونزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكون القرآن في المصاحف، وما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغني بالقرآن، وصعود الأقوال والأعمال والأرواح إليه، وحديث معراج الرسول ﷺ ببدنه ونفسه.
وغير هذا مما صح عنه ﷺ من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا، مما صح عنه اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن - أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نزيد عليها، ولا ننقص منها، ولا نفسرها، ولا نكيفها، ولا نشير إليها بخواطر القلوب، بل نطلق ما أطلقه الله،
[ ١١٥ ]
ونفسر ما فسره النبي ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المرضيون من السلف المعروفين بالدين والأمانة، ونجمع على ما أجمعوا عليه، ونمسك عما أمسكوا عنه، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهرها، لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية، والملحدة، والمجسمة، والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول: الإيمان بها واجب، والقول سنة، وابتغاء تأويله بدعة.
هذا آخر كلام أبي العباس بن سريج الذي حكاه أبو القاسم الزنجاني في أجوبته.
ذكر قول الإمام الطحاوي إمام الحنفية في وقته في
الحديث والفقه ومعرفة أقوال السلف، قال في
عقيدته المعروفة عند الحنفية:
ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنفية، وأبي يوسف، ومحمد ﵃.
نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة، ليس بمخلوق، فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر؛ والرؤية لأهل الجنة حق، بغير إحاطة ولا كيفية،
[ ١١٦ ]