ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن الاستواء بمعنى الاستيلاء، لأن الاستيلاء في اللغة بعد المغالبة، والله لا يغالبه أحد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة، وهو العلو والارتفاع والتمكن في الشيء، فإن احتج أحد علينا، وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات؛ لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق.
قيل: لا يلزم ذلك، لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ولأنه لا يقاس بخلقه كان قبل الأمكنة، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم، فكيف يقاس على
[ ١٥٢ ]
شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فإن قال قائل: وصفنا ربنا بأنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الله الأماكن فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال، إذا زال عن صفته في الأزل وصار في مكان دون مكان.
قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى كل مكان.
فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان كما هو الآن، فقد أوجد الأشياء والأماكن معه في أزليته، وهذا فاسد.
فإن قال: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟!
قيل له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه؛ لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانا، وكذلك نقلته لا توجب مكانا، وليس هو في ذلك كالخلق، ولكنا نقول: استوى من لامكان، ولا نقول: انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدا؛ كما نقول: له عرش، ولا نقول: له سرير، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليل إبراهيم، ولا نقول: صديق إبراهيم؛ لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه، ولا ندفع ما وصف به نفسه؛ لأنه دفع للقرآن.
[ ١٥٣ ]
ذكر قول الحافظ أبي بكر الخطيب
رحمه الله تعالى
قال: أما الكلام في الصفات فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، والكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان إثبات رب العالمين معلوما فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح وأدوات للفعل، ولا تشبه بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح، ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . انتهى.
قال الحافظ الذهبي: المراد بظاهرها أي لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له؛ كما قال مالك وغيره: الاستواء معلوم. وكذلك القول في السمع والبصر والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء
[ ١٥٤ ]