فوق عرشه، ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته بائن عن جميع خلقه، بلا كيف، وهو بكل مكان بعلمه لا بذاته، فلا تحويه الأماكن؛ لأنه أعظم منها. انتهى كلام الشارح.
وذكر ابن أبي زيد في كتاب الفرد في السنة - تقرير العلو، واستواء الرب على العرش بذاته، وقرره أتم تقرير.
وقال في مختصر المدونة: وأنه تعالى فوق عرشه بذاته، فوق سماواته دون أرضه.
قال الحافظ الذهبي لما ذكر قول ابن أبي زيد: (وأنه تعالى فوق عرشه المجيد): قد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي.
وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له، فإنه قال: وأئمتنا كالثوري ومالك والحمادين، وابن عيينة وابن المبارك والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان. وكذلك أطلقها ابن عبد البر، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال في أخبار شتى: إن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه. وكذا قال أبو الحسن الكرخي الشافعي تلك القصيدة:
[ ١٣٦ ]
عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب
وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.
وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ والشيخ عبد القادر الجيلي والفتى عبد العزيز القحيطي وطائفة.
والله تعالى خالق كل شيء بذاته ومدبر الخلائق بذاته بلا معين ولا مؤازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه معنا وبين كونه فوق العرش، فهو معنا بالعلم وهو على العرش كما أعلمنا حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمنا، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام.
وكان ابن أبي زيد من العلماء العاملين بالمغرب، وكان يلقب بمالك الصغير، وكان غاية في معرفة الأصول، وقد نقموا عليه في قوله بذاته، فليته تركه.
[ ١٣٧ ]
انتهى كلام الذهبي.
ذكر قول القاضي
أبي بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري
قال في كتابه (التمهيد في أصول الدين) وهو من أشهر كتبه:
فإن قال قائل: فهل تقولون: إن الله في كل مكان؟ قلنا: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] .
ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان، وفي فمه، وفي الحشوش، والمواضع القذرة التي يرغب عن ذكرها، تعالى الله عن ذلك.
ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]: المراد أنه إله عند أهل السماء، وإله عند أهل الأرض؛ كما تقول العرب: فلان نبيل مطاع في المصرين، أي عند أهلهما، وليس يعنون أن ذات المذكور بالحجاز والعراق موجودة.
[ ١٣٨ ]