فصل
قال الإمام حافظ الشرق وشيخ الإسلام، عثمان بن سعيد الدارمي، في كتاب النقض على بشر المريسي -قال الذهبي: وهو مجلد سمعناه من أبي حفص بن القواس - قال فيه:
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين على أن الله فوق عرشه فوق سماواته، لا ينزل قبل يوم القيامة إلى الأرض، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم وتشقق السماوات لنزوله، فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو أمره وعذابه، فقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وإنما هو أمره وعذابه.
[ ١٠٥ ]
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وقد ذكر الحلول:
ويحك، هذا المذهب - أنزه لله من السوء عن مذهب من يقول: هو بكماله وجماله وعظمته وبهائه فوق عرشه فوق سماواته، فوق جميع الخلائق، في أعلى مكان، وأظهر مكان؛ حيث لا خلق هناك ولا إنس ولا جان، أي الحزبين أعلم بالله وبمكانه، وأشد تعظيما وإجلالا له.
وقال في هذا الكتاب: علمه بهم من فوق عرشه محيط، وبصره فيهم نافذ، وهو بكماله فوق عرشه ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلم ما في الأرض.
وقال في موضع آخر: والقرآن كلام الله، وصفة من صفاته، خرج منه كما شاء أن يخرج، والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق، وهو بكماله على عرشه.
وقال في موضع آخر، وقد ذكر حديث البراء بن عازب الطويل في شأن الروح وقبضها، وفيه: فتصعد روحه حتى تنتهي إلى السماء السابعة،
[ ١٠٦ ]
وذكر الحديث، ثم قال: وفي قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] دلالة ظاهرة أن الله فوق السماء؛ لأنه لو لم يكن فوق السماء لما عرج بالأرواح والأعمال، ولما أغلقت أبواب السماء عن قوم، وفتحت لآخرين.
وقال في موضع آخر: ولكنا نقول: رب عظيم وملك كبير، نور السماوات والأرض، وإله السماوات والأرض، على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة، دون ما سواها من الأماكن، من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه.
قال: وقد اتفقت كلمة المسلمين والكافرين على أن الله في السماء، وعرفوه بذلك، إلا المريسي وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث.
وساق حديث حصين: (كم تعبد؟) قال: ستة في الأرض وواحدا في السماء، فقال النبي ﷺ: (من الذي تعده لرغبتك ورهبتك؟) قال: الذي في السماء.
وقال أيضا في قول رسول الله ﷺ للجارية [أين الله؟]: فيه تكذيب لمن يقول هو في كل مكان، وأن الله لا يوصف بأين، بل يستحيل أن يقال "أين هو؟ "، والله فوق سماواته بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبده.
[ ١٠٧ ]
هذا كله كلام عثمان بن سعيد في كتابه المذكور، وهو قال فيه أبو الفضل القراب: ما رأيت مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي، والحديث عن يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأثنى عليه أهل العلم.
وقال الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي
في جامعه
لما روى حديث أبي هريرة -وهو حديث منكر، قاله الذهبي - ««لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله»»، قال: معناه لهبط على علم الله، قال: وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه.
وقال في حديث أبي هريرة («إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه»): قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا، قالوا: ثبتت الروايات في هذا ونؤمن به ولا نتوهم ولا نقول كيف، هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك، قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف".
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسرها أهل
[ ١٠٨ ]