قال أهل السنة: استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على ما ورد به النص، وليس معناه المماسة، بل هو مستو على عرشه بلا كيف، كما أخبر عن نفسه.
قال: وزعم هؤلاء أنه لا يجوز الإشارة إلى الله بالرءوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد، وأجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة، لا علو الذات.
وعند المسلمين أن لله علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح، فثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة.
وفي منعهم الإشارة إلى الله تعالى من جهة الفوق خلاف لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة.
وقد أخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فكان فرعون قد فهم عن
[ ١٥٩ ]
موسى أنه يثبت إلها فوق السماء، حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك.
والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته، فهم أعجز فهما من فرعون، بل وأضل.
وقد «صح عن النبي ﷺ أنه حكم بإيمان الجارية حين قالت: إن الله في السماء،» وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك!! انتهى كلام أبي القاسم ﵀. توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
ذكر كلام الإمام العالم العلامة أبي عبد الله
القرطبي صاحب التفسير الكبير
قال في التفسير: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: هذه مسألة قد بينا فيها كلام العلماء في كتاب (الأسنى في شرح الأسماء الحسنى)، وذكرنا فيها أربعة عشر قولا.
إلى أن قال: وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص عرشه بذلك؛ لأنه أعظم المخلوقات، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته؛ كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم -يعني في اللغة- والكيف مجهول، والسؤال عن ذلك بدعة.
[ ١٦٠ ]