معلومة، فلا يحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا.
قال: والمتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة، ما علمت أحدا سبقهم إليها، قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تئول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة معروفة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف مع اتفاقهم أنها لا تشبه صفات البشر بوجه؛ إذ الباري لا مثل له في ذاته، ولا في صفاته.
الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة؛ كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله فرد صمد ليس له نظير، وإن تعددت صفاته؛ فإنها حق، ولكنها ما لها مثل ولا نظير، فمن ذا الذي عاينه ونعته لنا.
والله إنا لعاجزون، كالون، حائرون، باهتون في حد الروح التي فينا، وكيف نعرج كل ليلة إذا توفاها باريها؟ وكيف يرسلها؟ وكيف
[ ١٥٥ ]
تنتقل بعد الموت؟ وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله؟ وكيف حياة النبيين الآن؟ وكيف شاهد النبي ﷺ أخاه موسى يصلي في قبره؟ ثم رآه في السماء السادسة وحاوره وأشار عليه بمراجعة رب العالمين وطلب التخفيف منه على أمته، وكيف ناظر موسى أباه آدم؟ وحجة آدم بالقدر السابق، وبأن اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟ وكذلك نعجز عن وصف هيئاتنا في الجنة، ووصف الحور العين، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم؟ وكيفيتها؟ وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة، مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني؟
فالله أعلى وأعظم، وله المثل الأعلى، والكمال المطلق، ولا مثل له أصلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . انتهى كلام الذهبي.
توفي الخطيب سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ولم يكن ببغداد مثله في معرفة هذا الشأن.
[ ١٥٦ ]
ذكر قول الإمام
عالم المشرق أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي
قال في كتاب (الرسالة النظامية):
اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر:
فرأى بعضهم تأويلها والتزام ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن.
وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب ﷿.
والذي نرتضيه دينا، وندين الله به - عقيدة اتباع سلف الأمة، والدليل القاطع السمعي في ذلك، وأن إجماع الأمة حجة متبعة. فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل - كان ذلك هو الوجه المتبع. فلتجر آية الاستواء وآية المجيء وقوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على ذلك.
قال الإمام أبو الفتح محمد بن علي: دخلنا على الإمام أبي المعالي الجويني نعوده في مرض موته،
[ ١٥٧ ]