ذكر قول الإمام العالم العلامة حافظ المغرب إمام
السنة في زمانه أبي عمر يوسف بن عبد الله بن
عبد البر النمري الأندلسي صاحب (التمهيد،
والاستذكار) والتصانيف النفيسة
قال في كتاب (التمهيد) في شرح الحديث الثامن لابن شهاب:
حديث النزول هذا صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش.
والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] .
ومعنى ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني على العرش. وقد تكون "في" بمعنى "على". ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]
[ ١٤٤ ]
أي على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] .
وهذا يعضده قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وما كان مثله في الآيات، وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة.
وأما دعواهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل "استوى" استولى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغلبه أحد، ومن حق الكلام أن يحمل على الحقيقة حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب الأمة إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه.
قال أبو عبيدة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: علا، وتقول العرب استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي استقر، واحتج بقوله:
[ ١٤٥ ]
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد.
قال ابن عبد البر: والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ في كتابه، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ الآية [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] .
وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الله بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: "استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان".
[ ١٤٦ ]
فالجواب: أن هذا حديث منكر، ونقلته مجهولون ضعفاء. فأما عبد الله بن داود الواسطي، وابن مجاهد، فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا؟! أما سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] .
فدل على أن موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبا.
فإن احتج بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، زعموا أن الله في كل مكان بنفسه وبذاته تبارك اسمه وتعالى جده.
قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في
[ ١٤٧ ]
الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود أهل السماء، وفي الأرض إله معبود أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعد الظاهر.
وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد بأنه معبود أهل الأرض. فتدبر هذا فإنه قاطع.
ومن الحجة أيضا في أنه ﷿ على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين لها مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم ﵎. هذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، وقد «قال ﷺ للأمة السوداء: "أين الله؟ " فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: "من أنا؟ " قالت: رسول الله قال: "فاعتقها فإنها مؤمنة» ". فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفعها رأسها إلى السماء.
قال: وأما احتجاجهم بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]
[ ١٤٨ ]
فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية.
قال: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وذكر سنيد عن الضحاك في هذه الآية، قال: (هو على العرش، وعلمه معهم أين ما كانوا) .
قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله.
وقال عبد الله بن مسعود: ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء أخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله ﵎ على العرش يعلم أعمالكم. وقد ذكر هذا الكلام أو قريبا منه في كتاب الاستذكار.
وقال أبو عمر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
[ ١٤٩ ]
وقال أيضا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقه لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود.
قال الحافظ الذهبي: صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب وأن يشابه المعدوم.
ولقد كان أبو عمر بن عبد البر من بحور العلم ومن أئمة الأثر، قل أن ترى العيون مثله، واشتهر فضله في الأقطار. مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن ست وتسعين سنة.
[ ١٥٠ ]
ذكر قول الإمام أبي القاسم
عبد الله بن خلف المقرئ الأندلسي
قال في (شرح الملخص) لما ذكر حديث النزول:
وفي هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سماوات من غير مماسة ولا تكييف، كما قال أهل العلم، ودليل قولهم: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٢، ٣]، والعروج هو الصعود.
قال مالك بن أنس: الله ﷿ في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان.
يريد بقوله "في السماء"، أي: على السماء. إلى أن قال: وكل
[ ١٥١ ]