فصل
قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أسكنه الله الفردوس يوم المآب، وبينا عقيدته هو وأتباعه عقيدة السلف الماضين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين الذين رفع الله منارهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق الآخرين.
فشيخنا -﵀ وأتباعه- يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يتجاوزون القرآن والحديث؛ لأنهم متبعون لا مبتدعون، فلا يكيفون ولا يشبهون ولا يعطلون، بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات، وما وردت به السنة مما رواه الثقات، يعتقدون أنها صفات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل؛ كما أنه سبحانه له ذات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل. فالقول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذاته ذات حقيقة لا تشبه الذوات، فصفاته صفات حقيقة لا تشبه الصفات، وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين، وهو مخالف لاعتقاد المشبهين واعتقاد المعطلين، فهو كالخارج
[ ١٠١ ]
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فهو وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.
فلما قررنا عقيدتنا في أول الجواب، وأوردنا على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة - أتبعنا ذلك بفصل ذكرنا فيه بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، يؤيد ما ذكرناه، ويحقق ما قلناه؛ لأنهم مصابيح الدين وقدوة العالمين، وهم أهل اللغة الفصحاء واللسان العربي، فإن الصحابة ﵃ قد شاهدوا نزول القرآن ونقلوه إلينا وفسروه، فهم قد تلقوا ذلك عن نبيهم ﷺ وتلقاه عنهم التابعون؛ فتعلموا من الصحابه ألفاظ القرآن ومعانيه، فنقلوا عنهم تأويله كما نقلوا تنزيله، ونقلوا الأحاديث الواردة في الصفات، ولم يتأولوها كما تأولها النفاه، بل أثبتوها صفات حقيقة لرب العالمين، منزهة عن تعطيل المعطلين وتشبيه المشبهين. فإن الصحابة ﵃ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، وهم سادات الأمة وكاشفو الغمة، فالمسلمون بهديهم يهتدون، وعلى منهاجهم يسلكون، ثم إنا لما نقلنا كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم أتبعناه بفصل ذكرنا فيه كلام الأئمة الأربعة، أئمة المذاهب المتبعة؛ ليتبين صحة ما قلناه وما إليهم نسبناه، ويعلم من كان قصده الحق أن الأئمة على عقيدة واحدة مجمعون، وللسلف الصالح متبعون، فلما تبين ما قلناه، واتضح ما قررناه أحببت أن أختم هذا الجواب بفصل أذكر فيه بعض ما قاله العلماء بعدهم؛ ليعلم الواقف على هذا الجواب أن هذا الاعتقاد الذي ذكرناه هو اعتقاد أهل
[ ١٠٢ ]
السنة والجماعة قاطبة متقدميهم ومتأخريهم؛ لأن إجماعهم حجة قاطعة لا تجوز مخالفته، فكيف وقد شهدت له النصوص القرآنية والسنة النبوية، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
[ ١٠٣ ]