ما فوق العالم، فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات؟
فإن أردت الجهة الوجودية وجعلت الله محصورا في المخلوقات، فهذا باطل.
وإن أردت أن الله تعالى فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالي عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «إن الله يقبض الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» فمن تكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى في هذا الصغر والحقار، كيف تحيط به وتحصره.
ومن قال: إن الله ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟
فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على العرش إله يصلى له ويسجد، ومحمد لم يعرج بذاته إليه، فهذا معطل.
وإن قال: مرادي ينفي الجهة أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب، ونحن نقول به.
[ ٦١ ]
وكذلك من قال: إن الله متحيز، إن أراد أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ، وإن أراد أنه محتاز عن مخلوقات بائن عنها عال عليها فقد أصاب.
ومن قال: إنه ليس بمتحيز؛ إن أراد أن المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب، وإن أراد بذلك أنه ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل العالم ولا خارجه فقد أخطأ، فإن الأدلة كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته عالٍ عليها، قد فطر الله على ذلك الأعراب والصبيان؛ كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "عليك بدين الأعراب والصبيان"، أي: عليك بما فطرهم الله عليه، فإن الله فطر عباده على الحق؛ كما في الصحيح عن النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» الحديث.
[ ٦٢ ]
فصل
[في إثبات اليد]
وأما قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فاعلم أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع:
مفردا كهذه، وكقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] .
وجاء مثنى كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] .
وجاء مجموعا كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] .
[ ٦٣ ]
فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعل بالباء إليها، فقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها، ولم يعد الفعل بالباء، فلا يحتمل ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فإن كل أحد يفهم من قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا؛ كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت الباء، فالفعل قد يضاف إلى يد
[ ٦٤ ]
ذي اليد، والمراد الإضافة إليه؛ كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى "يده" مفردة أو مثناة، فهو ما باشرته يده.
ولهذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده؛ وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده.
فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة.
وقد صح عن النبي ﷺ: «إن أهل الموقف يأتون آدم، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء» فذكروا أربعة أشياء كلها خصائصه.
[ ٦٥ ]
وكذلك «قال آدم لموسى -﵉- في محاجته له: (اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده») . وفي لفظ آخر: («كتب الله لك التوراة بيده») وهو من أصح الأحاديث.
وكذلك في الحديث المشهور: («إن الملائكة قالوا: يا رب، خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان») .
وأيضا فإن لو كان قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ - مثل قوله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾؛ لكان آدم والأنعام سواء، وأهل الموقف قالوا: «أنت أبو البشر خلقك الله بيده»، فعلموا أن لآدم تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين.
[ ٦٦ ]
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: «يقبض الله سماواته بيده اليمنى والأرض بيده الأخرى» .
وقال ﷺ: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة» الحديث.
وفي صحيح مسلم في أعلى أهل الجنة منزلة: «أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها» .
وقال عبد الله بن الحارث: قال النبي ﷺ: «خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، قال: وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث» . وفي الصحيح عنه صلى الله عليها وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفأها الجبار كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلا لأهل الجنة» .
[ ٦٧ ]
وفي الصحيح مرفوعا: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» .
وفي الصحيح أيضا مرفوعا: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، ثم استخرج ذريته منه، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون» الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا أخذها الرحمن بيمينه، فتربو في كف الرحمن حتى تكون»
[ ٦٨ ]
«أعظم من الجبل» متفق على صحته.
وقال نافع بن عمر: سألت ابن أبي مليكة عن "يد الله": أواحدة أو اثنتان؟ فقال: بل اثنتان.
وقال عبد الله بن عباس: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم.
وقال ابن عمر وابن عباس: أول شيء خلق الله القلم، فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، فكانت الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده.
وقال ابن وهب، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]
[ ٦٩ ]
قال: «مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة» .
وهذه النصوص التي ذكرنا هي غيض من فيض، وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
[ ٧٠ ]
فصل