واعلم أن كثيرا من المتأخرين يقولون: هذا مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها: إقرارها على ما جاءت مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهذا لفظ مجمل، فإن قول القائل: ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين. فلا شك أن هذا غير مراد. ومن قال هذا فقد أصاب، لكن أخطأ في إطلاق القول: إن هذا ظاهر النصوص، فإن هذا ليس هو الظاهر، فإن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري وننزه ذاته المقدسة عن الأشياء من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نشبهها، أو نكيفها، أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى الاستواء الاستيلاء، ولا معنى نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا نزول رحمته ونحو ذلك، بل نؤمن بأنها صفات حقيقة، والكلام فيها كالكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، فإذا كانت الذات تثبت إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها ولا يدري ما أراد الله
[ ٥٦ ]
ورسوله منها، ولكن يقرؤها ألفاظا لا معاني لها، ويعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وأنها بمنزلة ﴿كهيعص﴾، ﴿حم عسق﴾، ﴿المص﴾، وظن أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يعلمون حقيقة قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ونحو ذلك - فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف.
وهذا الظن يتضمن استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات، ويروون حديث النزول وأمثاله ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أريد به، ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعرف معناه، فمن ظن أن هذه عقيدة السلف فقد أخطأ في ذلك خطأ بينا.
بل السلف -﵃- أثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى
[ ٥٧ ]
بين ضلالين، خرج من مذهب المعطلين والمشبهين كما خرج اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] .
[ما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ]
وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نمثل، ولا نؤول، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر؛ ولا نقول: له أيد كأيدي المخلوقين، ولا أن له وجها كوجوههم، ولا سمعا وبصرا كأسماعهم وأبصارهم. بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازا، ليست كصفات المخلوقين، فكذلك قولنا في وجهه ويديه وكلامه واستوائه.
وهو سبحانه قد وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، فسمى نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
[ ٥٨ ]