قوله:
"وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة"
وهي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها، أو أكثرهم أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في "أربعة أنواع" من المحاذير أحدهما كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
"الثاني أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيء الذي ظنه بالله ورسوله_ حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل_ قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله. والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.
"الثالث" أنه ينفي تلك الصفات عن الله ﷿ بغير علم فيكون معطلا لما يستحقه الرب
[ ١ / ١٦٤ ]
"الرابع" أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات فيجمع في كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته.
ش: الإشارة في قوله "وهذا يتبين" راجعة إلى قوله "بل صفة الموصوف تناسبه ولكن ليس المنسوب كالمنسوب ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه".
فمضمون ما ذكر في القاعدة الثالثة يتبين ويتضح بما ذكر في القاعدة الرابعة وهي أن بعض الناس لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولا وعطلوا آخرًا.
وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما استحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به. وقد جمعوا بين هذه المحاذير الأربعة، التمثيل والتعطيل.
وكون ذلك صادرًا بغير علم ولا دليل، وكونه يلزم من سلبهم هذه الصفات عن الله وصفهم له بنقائضها، وجنوا على النصوص وظنوا ظنًا سيئًا، حيث ظنوا أن ظاهر كلام الله ورسوله يقتضي مماثلة الله لخلقه، وحرفوا النصوص عن مواضعها وعطلوها عما دلت عليه من حقائق أسماء الله وصفاته اللائقة به.
وهذا منطبق على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ومن دخل في هذه الطوائف وسار في فلكها.
[ ١ / ١٦٥ ]
ولهذا عبر المؤلف بقوله "بعض الصفات أو كثير أو أكثرها أو كلها"
وحقيقة الأمر أن كل معطل ممثل وكل معطل، أما المعطل فتعطيله هو جحده الصفات، وأما تمثيله فهو من جهة أنه اعتقد أن إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه فأخذ ينفي الصفات فرارًا من ذلك، فمثل أولا وعطل ثانيا.
وأما الممثل فتمثيله هو تشبيه صفة الخالق بصفة المخلوق، وأما تعطيله فمن وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه عطل نفس النص الذي دل أثبت الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.
الثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص.
الثالث: أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه. مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .
[ ١ / ١٦٦ ]