قوله:
وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم، من الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة الباطنية ونحوهم. فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات
السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان. فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات،
والمعدومات، والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات.
ش: بعد فراغ المؤلف من بيان طريقة السلف في- باب أسماء الله وصفاته، شرع في بيان طريقة مخالفيهم فقال: وأما من انحرف ومال عن طريقة الرسل وأتباعهم من السلف، من أنواع الكفار، وأصناف المشركين واليهود، والنصارى، ومن سار على منهاجهم ودخل في عدادهم "كالصابئة " والفلاسفة، والقرامطة، والجهمية وغيرهم كالمعتزلة، فإنهم على العكس من طريقة الرسل وأتباعهم. فالإشارة في قول المؤلف "على ضد ذلك، راجعة إلى طريقة الرسل وورثتهم من ملف الأمة وأئمتها، فهؤلاء مثبتون لأوصاف الكمال نافون ما يضاد هذه الحال: أما أصناف هؤلاء الطوائف فإنهم ينفون صفات الكمال، ويصفون الله بالصفات السلبية تفصيليا: كقولهم: "ليس بمستو على عرشه ولا يغضب ولا ينزل ولا يحب" وقوله ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان " معناه أن سلب الصفات عن الله غايته ونهايته أن الله تعالى غير موجود أصلا فإن الوجود المطلق يعني المجرد عن جميع الصفات- لا حقيقة له إلا في الذهن وليس له وجود خارجي بتاتا؟ لأن الذات لا تتحقق بلا صفة أصلا؟ بل هذا بمنزلة
[ ١ / ٣٧ ]
من قال: أثبت إنسانًا لا حيوانًا ولا ناطقًا ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره ولا قدرة له ولا حياة ولا حركة ولا سكون! ونحو ذلك. أو قال: أثبت نخلة ليس لها ساق، ولا جذع، ولا ليف، ولا غير ذلك. فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفات الصفات
معطلة، لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى، وبسلبهم هذه الصفات أيضا مثلوا وضلوا حيث شبهوه بالجمادات التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تعلم، ولا تقدر، وشبهوه بالمعدومات، حيث زعموا أنه لا يستوي، ولا يغضب، ولا يحب، ولا يعلم، وليس بحي، وعطلوه عما يستحقه من الأوصاف! فصار نهاية تعطيلهم أن ذاته غير موجودة فإن من ليس متصفًا بهذه الصفات لا جود له.
والصابئة:
هم أصحاب كنعان ونمرود الذين بعث إليهم الخليل، وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، وكان الصابئة إذ ذاك على الشرك؟ وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركًا. بل مؤمنا بالله واليوم الآخر، كما في الآيتين الكريمتين: ﴿إن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ الآية ﴿إن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ﴾ الآية. لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا كفارًا ومشركين كما أن كثيرًا من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفارًا ومشركين، وقد اختلف في هذه
النسبة فقيل إنها إلى صابئي بن متوشلح بن إدريس - ﵇ - وكان على الحنيفية الأولى؟ وقيل إلى صابئي بن ماري وكان في عصر الخليل ﵇ والصابئي عند العرب من خرج عن دين قومه لذلك كانت قريش تسمي رسول الله ﷺ صابئًا لخروجه عن دين قومه والله أعلم.
[ ١ / ٣٨ ]
والمتفلسفة:
جمع متفلسف والفلسفة بلسان اليونان- الحكمة - فالفيلسوف هو صاحب الحكمة والمراد بالفلاسفة هنا الإلهيون لا الدهريون والدوريون.
وهؤلاء الفلاسفة الإلهيون، الملحدون، لا يؤمنون بالبعث والنشور، على ما جاء في الكتاب والسنة، كما أنهم لا يثبتون للرب أسماءه وصفاته، فمن قدمائهم أرسطو تلميذ "أفلاطون " اليونانيان، ومن متأخريهم "أبو نصر الفارابي" وابن سيناء وأشباههما.
القرامطة:
كان ظهور هذه الطائفة سنة ست وسبعين بعد المائة بظهور_ ميمون بن ديصان الذي نصب للمسلمين الحبائل، وبغي بهم الغوائل، وكان يسر المجوسية ويظهر الإسلام وكان يجعل لكل آية تفسيرا، ولكل حديث تأويلا، وجعل الفرائض والسنة رموزا وإشارات، وكان يخدم إسماعيل بن جعفر، وظهر أيام حمدان قرمط، فاجتمعا وتساعدا على نشر هذا المذهب الشنيع، فسموا بالقرامطة، وهذان الشخصان هما المؤسسان لأصل هذا المذهب، ثم ظهر بعدهما في الدعوة الجنابي وهو "أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي" وهو من أتباع - حمدان قرمط _وقد طالت أيامهم، وعظمت شوكتهم، وأخافوا السبيل، واستولوا على بلاد كثيرة، وأخبارهم مستقصاة في التاريخ. "وميمون بن ديصان" كان مجوسيا من سبي الأهواز "وحمدان قرمط" كان من الصابئة الحرانية، والمنسوب إليهم "قرمطي" بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة، وأصل القرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض يقال خط مقرمط ومشي مقرمط إذا كان كذلك.
[ ١ / ٣٩ ]
والجهمية:
هم أصحاب جهم بن صفوان، تلميذ الجعد بن درهم وقد ظهرت بدعته بترمذ وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية، وقد اشتهر مذهب التعطيل باسم الجهم، وإن كان أخذه عن الجعد بن درهم، والجعد عن أبان بن سمعان، وأبان عن طالوت وطالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي، نظرا لأن جهمًا هو الذي تزعم هذه المقالة ونشرها في الناس؟ فكل من اعتنق هذه المقالة نسب إليه لأنه كان رأسا فيها.
[ ١ / ٤٠ ]