قوله:
وقيل له أيضا: اتفاق المسلمين في بعض الأسماء والصفات، ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يلتزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾.
ش: يعني أن الغالي الذي ينفي الصفات أو ينفي قبولها عن الله يقال له: اتفاق المسميات في الاسم والمعنى العام لا يوجب تماثل المسميين، فنحن إذا قلنا: أن الله موجود حي عليم سميع بصير متكلم وقلنا: أن المخلوق موجود حي عالم سميع بصير متكلم، لم يكن ذلك تشبيها بل الله موجود لم يزل حيا، قديمًا، قيومًا، عالمًا، سميعًا بصيرًا ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم وحييي بمعنى ثم يصير ميتا بزوال ذلك المعنى، وعلم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم، وسمع وأبصر، وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق، ﷾ وأن اتفقت
[ ١ / ٧٨ ]
مسميات هذه الصفات عند الإطلاق، فالرب ﷾ مستحق للكمال، مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء، فليس له سمي ولا كفؤ سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق والتفاوت الذي بينهما أعظم من التفاوت الذي بين أدنى المخلوقات وأعلاها.
فالأسماء والصفات نوعان: نوع يختص به الرب مثل الإله، ورب العالمين ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال ومن هنا ضل المشركون الذين جعلوه أندادا. والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة -كالحي والعالم والقادر- فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثلما يثبت للرب أصلا: فإنه لو ثبت له ما ثبت له للزم أن يجوز على أحدهما ما لا يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ومثال ما يمتنع على الرب: اتخاذ الولد، والصاحبة، والشريك، والولي من الذل فإن نفى هذا من خصائص الربوبية، وكذلك السنة والنوم، واللغوب والنسيان، والعجز، والموت، والظلم وغير ذلك مما هو مستحيل عليه ممتنع في حقه، ولكنه واقع في العباد، فهذا القسم ممكن واقع بالنسبة للعباد، ومستحيل فيحق الله ومما يجب له كونه رب العالمين، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، ومما يجوز عليه كونه يحي ويميت ويرزق ويعز ويذل.
[ ١ / ٧٩ ]