قوله:
بخلاف الأحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله وليس كذلك. والأحكام
هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدها بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما. ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبها عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك! فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث
يشتبه على بعض الناس دون بعض ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله فعلم العلماء أنه ليس مثله وأن كان مشبها له من بعض الوجوه.
ش: بعد أن ذكر المؤلف أنه لا منافاة بين الأحكام العام والتشابه العام، بين أن الأحكام الخاص والتشابه الخاص غير متفقين، بل هما ضدان، وهما المذكور أن في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأما الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويلهِ وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
[ ١ / ٢١٣ ]
والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وقد عرف التشابه الخاص بقوله: وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، كما عرف الأحكام الخاص بقوله: والأحكام هو الفصل بينهما والوجه الذي يحصل به الاشتباه هو القدر المشترك بين المشتبهين. أما الوجه الذي تحصل به المخالفة فهو القدر الفارق المميز، فأسماء الله تعالى وصفاته تتفق مع أسماء المخلوقين وصفاتهم في اللفظ وفي المعنى الكلي المشترك. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أنتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال ﷿: ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .
فالذين لا يفرقون بين الأمور وأن اتفقت من وجه واختلفت من وجه آخر يظنون أنهم إذا أثبتوا الصفات لله شبهوه بالمخلوقات، ومن الناس من يهتدي لمعرفة ما يحصل به الاشتراك وما يحصل به الاختلاف بين
المتشابهين، وهؤلاء هم الذين اثبتوا له ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وحينئذ فالتشابه الخاص إنما يعتبر متشابها بالنسبة لبعض الناس دون بعض وليس في حد ذاته متشابها غير أن ذلك، ومثل المؤلف لذلك: باشتباه موجودات الآخرة، من لبن وعسل، وماء وخمر، وذهب وفضة، وحور ومساكن بموجودات الدنيا.
فإن بعض الناس تشتبه عليهم هذه الأمور فيظنون أن هذه الحقيقة مماثلة لتلك الحقيقة من كل وجه. أما أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيفهمون من النصوص ما يزيل عنه هذا الاشتباه ويعلمون أن ما أعده الله في دار البقاء والخلود من أنواع النعيم أكمل وأعظم مما يشهدونه في دار الفناء والزوال. وقوله "والتشابه الذي لا يتميز معه" معناه أن التشابه الخاص الذي لا يتضح معه المعنى بسبب ما بين الأمرين المشتبهين من
[ ١ / ٢١٤ ]
القدر المشترك ليس هو في حل ذاته متشابها وإنما يشتبه على بعض الناس دون بعض بخلاف المتشابه لذاته، كحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته وحقيقة المعاد، فإن هذا المتشابه بالنسبة لكل الخلق، إذ هو داخل تحت قوله ﵎: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
[ ١ / ٢١٥ ]