بن حنبل يوم المحنة! توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة.
والبخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي بالولاء، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: "ما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وعنه أنه قال: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله".
وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر سنة مائتين وستة وخمسين بخرتنك قرية من قرى سمرقند.
قوله:
"الثاني" هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، أو تعرف علته أو دليله.
"وهذا التأويل الثالث" هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة: "كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن يعني قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ . وقول سفيان بن عيينة "السنة هي تأويل الأمر والنهي"، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر.
[ ١ / ١٩٤ ]
والكلام خبر وأمر، ولهذا يقول أبو عبيدة وغيره "الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة" كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء، لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ، كما يعلم إتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة، ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته، بخلاف تأويل الخبر.
ش: هذا رجوع من الشيخ إلى شرح النوع الثاني والثالث، من أنواع التأويل لمزيد الإيضاح، وكان السياق يقتضي أن يكون الكلام. فالثاني هو تفسير الكلام بالفاء، ولكن لعلها سقطت سهوًا من الناسخ. وبعد أن ذكر أن النوع الثاني من أنواع التأويل، هو التفسير بين معنى بقوله: "وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ" فالتفسير إذًا هو إيضاح معنى الكلام وبيان المراد منه، أو الكشف عما اشتمل عليه من حكمة، أو ذكر ما دل عليه من دليل، أو بيان ما استنبط من حكم.
قال الزركشي "التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والصرف وعلم البيان وأصول الفقه، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ" ومن شواهد مجيء التأويل مرادًا به التفسير قوله سبحانه في قصة يوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتأويلهِ أنا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أنبِّئُكُمْ بِتأويلهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ .
والنوع الثالث من أنواع التأويل هو حقيقة الشيء وكنه ما هو عليه، وهذا معنى قول المؤلف: هو عين ما هو موجود في الخارج. وقد استشهد على هذا النوع بما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يتأول القرآن" يعني يوجد حقيقة ما أمر به بقوله في
[ ١ / ١٩٥ ]
الركوع والسجود "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". فيشرع للمصلى أن يقول هذا الدعاء في ركوعه وسجوده، كما يشرع له أن يقول في السجود: "سبحان ربي الأعلى" لما في الحديث الذي رواه أهل السنن.
وفي حديث حذيفة الذي رواه مسلم أنه ﷺ صلى بالليل صلاة قرأ فيها بالبقرة والنساء، وآل عمران ثم ركع، ثم سجد نحو قراءته، يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى" وفي الحديث "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" وذلك أن السجود غاية الخضوع من العبد، وغاية تسفيله وتواضعه بأشرف شيء فيه لله، وهو وجهه بأن يضعه على التراب فناسب في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه الأعلى.
والشاهد من كلام سفيان بن عيينة مجيء التأويل في كلام السلف مرادًا به الحقيقة، ومن أجل أن التأويل يرد في كلام السلف مرادًا به الحقيقة يقول أبو عبيدة: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. يعني أعلم بحقيقة ما أراده الله ورسوله بكلامهما، لمعرفتهم النصوص، وعلمهم بقواعد الشرع العامة، وخبرتهم بذلك أكثر من مجرد العلم بالمعنى اللغوي للنص. ومثل المؤلف لذلك باختلاف الفقهاء واللغويين في تفسير اشتمال الصماء الواردة في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين الفطر والنحر، وعن الصماء وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر، وتفسير اشتمال الصماء عند الفقهاء: هو أن يشتمل الإنسان بثوب ويرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه، فالنهي عنه لأنه يؤدي إلى التكشف وظهور العورة.
وأما تفسير أهل اللغة فقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب فيستر به جميع جسده بحيث لا يترك فرجة يخرج منها يده، واللفظ مطابق لهذا
[ ١ / ١٩٦ ]
المعنى. والنهي عنه يحتمل وجهين: أحدهما أنه يخاف معه أن يدفع إلى حالة سادة لمتنفسه فيهلك غمًا تحته إذا لم تكن فيه فرجة، والآخر أنه إذا تجلل به فلا يمكن من الاحتراس والاحتراك إن أصابه شيء، أو نابه مؤذ ولا يمكنه أن يتقيه بيديه لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به.
قال عبد الغافر الفارسي بعد حكايته لتفسير الفقهاء: وهذا التفسير لا يشعر به لفظ الصماء. قال الصنعاني مؤيدًا قول الفارسي، قوله لا يشعر به لفظ الصماء أقول: لأنه مأخوذ من الصمم وهو انسداد الأذن، وهذا المعنى الذي ذكروا ليس فيه انسداد. وفي القاموس اشتمال الصماء أن يرد الكساء من قبل ميمنته على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه يده اليمني وعاتقه الأيمن فيغطيهما، أو الاشتمال بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يضعه على أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو فرجه. وقوله "لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه" الخ.
معناه أن أهل العناية بعلم الرسول العالمين بالقرآن وتفسير الرسول ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان، عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ﷺ ومراده أكثر مما يعلمه علماء اللغة، كما أن أهل العلم بمذهب بقراط في الطب، وأهل العلم بمذهب سيبويه في النحو، وما قعدا من قواعد ورسما من ضوابط أكثر معرفة بمقاصدهما وشرح كلامهما من مجرد معرفة المعنى اللغوي.
وقوله ونحوهما يعني كرؤساء أهل الكلام والفلسفة، وتأويل الخبر هو نفس وقوع المخبر به وعين وجوده، كما أن تأويل الأمر هو نفس فعل المأمور به، ولكن تأويل الأمر لا بد من العلم به لامتثال المأمور وترك المحذور. أما تأويل الخبر فيكفي فيه الإيمان به وما ظهر للإنسان من معناه فهو من تعليم الله له، وما لم يظهر له وكل علمه إلى قائله، كما أن الكيفيات وحقيقة الأمر
[ ١ / ١٩٧ ]
على ما هو عليه مما لا يعلمه إلا الله ﷾. ويصلح أن يستشهد بكلام أبي عبيدة على مجيء التأويل في كلام السلف مرادًا به التفسير.
وعائشة هي أم عبد الله حبيبة رسول الله ﷺ، بنت خليفة رسول الله ﷺ، أبي بكر الصديق ﵁ من أكبر فقهاء الصحابة، بنى بها النبي ﷺ في شوال بعد وقعة بدر فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، فكانت أحب نسائه ونزلت الآيات في تبرئتها مما رماها به أهل الإفك، وعاشت خمسًا وستين سنة، حدث عنها جماعة من الصحابة، ومسروق والأسود وابن المسيب، وعروة والقاسم والشعبي وعطاء وابن أبي مليكة، ومجاهد وعكرمة، ومعاذ العدوية، ونافع مولى بن عمر، وخلق كثير. وكانت غزيرة العلم بحيث أن عروة يقول "ما رأيت أحدًا أعلم منها بالطب" وكانت عالمة بالقرآن، وبالفريضة، وبالحلال والحرام، والشعر وكلام العرب والنسب، ﵂ توفيت سنة سبع وخمسين.
وسفيان هو بن عيينة بن ميمون، العلامة الحافظ، شيخ الإسلام أبو محمد الهلالي الكوفي، محدث مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك بن مزاحم، ولد سنة سبع ومائة، وطلب العلم في صغره، سمع عمرو بن دينار والزهري، وأبا إسحاق والأسود ابن قيس، وأممًا سواهم. وحدث عنه الأعمش وابن جريج وشعبة، وخلق لا يحصون فقد كان خلق كثير يحجون والباعث لهم لقيا بن عيينة! فيزدحمون عليه في أيام الحج وكان إمامًا حجة، حافظًا، واسع العلم، كبير القدر. قال الشافعي "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز" وقال حرملة "سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أحدًا فيه من آلة العلم ما في سفيان! " وما رأيت أحدًا أكف عن الفتيا منه! وما رأيت أحدًا أحسن لتفسير الحديث منه!! " مات في جماد الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة.
وأبو عبيدة: هو معمر بن المثنى المصري، اللغوي الحافظ، صاحب
[ ١ / ١٩٨ ]
التصانيف الكثيرة روى عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء، وروى عنه علي بن المديني، وأبو عثمان المازني وغيرهم. قال الجاحظ "لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة" مات سنة عشر بعد المائتين وقيل غير ذلك.
وبقراط: هو أبو الطب المشهور ولد بجزيرة كوس سنة أربعمائة وستين قبل الميلاد، من أشرف بيت من أسرة فريسامس الملك، وتعلم صناعة الطب من أبيه إيرقليدس، ورأى أن صناعة الطب كادت أن تبيد فأحب يذيعها في جميع الأرض وينقلها إلى سائر الناس، ويعلمها مستحقيها، حتى لا تبيد، إذ كانت صناعة الطب قبله كنزًا أو ذخيرة يكنزها الآباء للأبناء من الملوك والزهاد فقط، يقصدون بها الإحسان إلى الناس بالمجان، ولم يزل كذلك، إلى أن نشأ بقراط وتعلم. وهو أول من دون صناعة الطب وشهرها وأظهرها، وله من المؤلفات في ذلك نحو من ثلاثين كتابًا. وقد توفي سنة ثلاثمائة وخمس وستين قبل الميلاد.
وسيبويه: هو أستاذ النحاة أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بن الحارث بن كعب. ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه، حتى كانتا كالتفاحتين، فسيبويه في لغة فارس رائحة التفاح. وهو الإمام العلامة شيخ النحاة، فالناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن وقد شرح بشروح كثيرة. أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه. وأخذ أيضًا عن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب، وأبي زيد الأنصاري، وأبي خطاب الأخفش الكبير، وغيرهم. قدم من البصرة أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، ورحل عن بغداد فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها البيضاء، سنة مائتين وثمانين وقد ناف على الأربعين سنة.
[ ١ / ١٩٩ ]