قوله:
ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يعرف الأحكام والتشابه الذي يعمه، والأحكام والتشابه الذي يخص بعضه. قال تعالى ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فأخبر أنه أحكم آياته كلها. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ﴾ فأخبر أنه كله متشابه. والحكم هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يفصل بين الخصمين، والحكم فصل بين المتشابهات، علمًا وعملًا، إذا ميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك
[ ١ / ٢٠٩ ]
الضار، فيقال: حكمت السيف وأحكمته، إذا أخذت على يديه، وحكمت الدابة وأحكمتها، إذا جعلت لها حكمة، وهي ما أحاط بالحنك من اللجام. وإحكام الشيء إتقانه. فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيمًا بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيات الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله ﴿أن هَذَا القرآن يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . وجعله مفتيا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ أي ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هاديا ومبشرًا في قوله: ﴿أن هَذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ .
وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿أنكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ . فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته، إذا لم يكن هناك نسخ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضًا، فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ويفرق بين المتماثلين، فيمدح أحدهما ويذم الآخر.
فالأقوال المختلفة هنا: هي المتضادة. والمتشابهة: هي المتوافقة. وهذا التشابه يكون في المعاني وأن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني
[ ١ / ٢١٠ ]
يوافق بعضها بعضًا، ويعضد بعضها بعضًا، ويناسب بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضًا، كان الكلام متشابهًا، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضًا. فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا ينافي بعضه بعضًا.
ش: يعني ومما يوضح أننا نجهل الكيفيات والحقائق التي استأثر الله بعلمها. ونعلم معاني ما خوطبنا به ونفسره، وأن الأسماء تكون مترادفة من جهة دلالتها على شيء واحد ومتباينة من جهة تغاير معانيها مما يوضح ذلك كله: أن الله سبحانه وصف القرآن كله بأنه محكم، كما في آية هود، ووصفه كله بأنه متشابه كما في آية الزمر.
وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ بين أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فهذه الأوصاف كلها نعوت لشيء واحد هو كتاب الله المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ. ولا منافاة بين وصفه كله بالإحكام ووصفه كله بالتشابه، فإن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه كون يشبه بعضه بعضًا في الحق والصدق والإعجاز، والمحكم لغة مأخوذة من حكمت الدابة. وأحكمت بمعنى منعت، والحكم: هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يمنع الظالم ويفصل بين الخصمين، ويميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، ويقال حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يده، وحكمت الدابة وأحكمتها، إذا جعلت لها حكمة.
وفسر الحكمة بقوله: "وهي ما أحاط بالحنك من اللجام" لأنها تمنع الفرس عن الاضطراب ومنه الحكمة، لأنها تمنع صاحبها عما لا يليق، وإحكام الشيء إتقانه والمحكم المتقن، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز
[ ١ / ٢١١ ]
الصدق من الكذب في إخباره والرشد من الغي في أوامره. والمحكم منه ما كان كذلك. وقد سمى الله القرآن حكيما كما في آية يونس، كما أنه يقص ويفتي، ويهدي ويبشر، وقد استشهد المؤلف على ذلك بآية يوسف، والنساء، والإسراء، فالقرآن كله محكم أي أنه كلام متقن فصيح يميز بين الحق والباطل والصدق والكذب، وهذا هو الإحكام العام، والمتشابه لغة مأخوذ من التشابه، وهو أن يشبه أحد الشيئين الآخر لما بينهما من التناسب.
وتشابه الكلام هو تماثله وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضا. وقد وصف الله القرآن كله بأنه متشابه على هذا المعنى كرا في آية الزمر. فالقرآن كله متشابه أي يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة، ويصدق بعضه بعضا في المعنى، وهذا هو التشابه العام. وكل من المحكم والمتشابه بمعناه المطلق لا ينافي الآخر. فالقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، وهو متماثل يصدق بعضه بعضا. فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، وإنما يأمر به أو بنظيره أو يلازمه كأمره بالصلاة فإنك لا تجده في موضع آخر ينهى عنها،
وإنما يأمر بها نفسها أو يأمر بنظيرها من العبادات كالزكاة، أو يأمر بشيء من لوازمها كالوضوء، وكذلك الشأن في نواهيه وأخباره. فإذا نهى عن الشرك لم تجده في موضع آخر يأمر به وإنما ينهى عنه أو عن نظيره؟ كنهيه عن ضرب الأمثال له المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ أو ينهى عن شيء من لوازمه: كنهيه عن الوسائل المفضية إليه، وإذا أخبر عمن أطاعه أو عصاه من الأمم وماذا عمل بهم أو أعد لهم لم تجده في موضح آخر ينفي هذا الخبر. كما أنه إذا نفى عن نفسه الند والشريك والسنة والنوم، وأشباه ذلك. لم تجده في موضع آخر يثبت ما نفى. وقوله إذا لم يكن هناك نسخ يعني كما في آية التخير للمقيم بين الصوم والفطر مع الفدية مع أيجاب آية الصوم عزما. وكالوصية للوالدين والأقربين المنسوخة بآية المواريث، وكالصلاة إلى القدس المنسوخة بالتوجه إلى الكعبة.
[ ١ / ٢١٢ ]
والكلام المحكم المتقن تتفق معانيه وأن اختلفت ألفاظه فلا تضاد فيه ولا اختلاف ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا والمراد بالاختلاف التناقض والاضطراب فلا يتناول وجوه القراءات. واختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي والوعد والوعيد، ووصف القرآن بالمثاني لتثنية القصص فيه وتكرير المواعظ والأحكام، ولأنه يثنى في التلاوة فلا يمل سامعه ولا يسأم قارؤه.
[ ١ / ٢١٣ ]