قوله:
وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل: فإن لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي: فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليت جسما ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَأن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وأما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة وكل هؤلاء يقولون: أنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس مركبا من هذا ولا من هذا، بل هو مما يشار إليه ويقال: أنه هنا أو هناك.
ش: يعني من أطلق على الروح بأنها جسم أو ليست بجسم استفسر عن مراده والسبب في ذلك أن للناس في لفظ الجسم عدة
[ ١ / ١١٤ ]
اصطلاحات بالإضافة إلى معناه اللغوي ثم ذكر المؤلف اصطلاحات المتكلمين في الجسم وهي أولًا أنه الموجود ثانيًا القائم بنفسه ثالثًا المركب من الجواهر المفردة، رابعًا المركب من المادة والصورة، خامسًا هو ما يقبل الإشارة الحسية فيصح عنه أن يقال أنه هنا أوهناك وهذه الاصطلاحات غير معناه اللغوي فإن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على البدن والجسد، أوكل ما كان كثيفًاَ غليظًا، وقوله: ولهذا يقولون: الروح والبدن، معناه إنهم يفرقون بين مدلولها كما تشير إليه آية سورة المنافقين، وآية سورة البقرة فإن الذي يعجب الرائي شكلهم الظاهر ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ والذي بسط فيه هو الجسم. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وقوله:" وكل هؤلاء يقولون أنه مشار إليه" معناه أن أقوال المتكلمين في الجسم تخالف قول الفلاسفة، فإنهم يقولون عن الجسم: هو ما لا يقبل الإشارة الحسية وقوله ومنهم من يقول: ليس مركبًا من هذا ولا من هذا، يعني أن بعض المتكلمين ينفي أن يكون الجسم مركبًا من الجواهر المفردة، أومن المادة والصورة وهذا قول صحيح، فأكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركبًا من هذا ولا من هذا.
والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يقبل القسمة وهو شيء لم يدركه أحد بحسه ولا يتميز منه جانب عن جانب، وما من شيء يفرض إلا وهو أصغر منه عند القائلين به، وأصل الجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وجوهر الشيء ما وضعت عليه جبلته، والمادة هي عناصر الشيء التي يتكون منها وصورة الشيء شكله.
قوله:
فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت كما قال ﷺ "أن الروح إذا خرجت تبعها البصر" وأنها تقبض ويعرج بها إلى السماء، كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح.
[ ١ / ١١٥ ]
ش: يشير المؤلف إلى أن القول: بأن الجسم هو ما يقبل الإشارة الحسية وتمكن رؤيته بالأبصار، ويتصف بالصفات هو القول الصواب في تعريف الجسم اصطلاحا وبهذا الاعتبار يصح أن تسمى الروح جسمًا، فإنه يصح أن يشار إليها، ويمكن أن ترى فإن بصر الميت يتبعها ويراها كذلك ترى بعد الموت فإن الروح قائمة بنفسها، باقية بعد الموت منعمة أو معذبة، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ثم تعاد إلى الأبدان. وهذا الحديث رواه مسلم بسنده عن أم سلمة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: أن الروح إذا قبض تبعه البصر فسبح ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه" وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا بلى: قال فكذلك حين يتبع بصره نفسه" وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت ".
[ ١ / ١١٦ ]