قوله:
قد وقع بنو آدم ني عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود، فظنوا أنه هو،
[ ١ / ٢١٨ ]
فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه أو متحدا به، أو حالا فيه من الخالق مع المخلوق.
فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها، حتى ظنوا وجودها وجوده، فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه. وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحدا ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع.
ش: يقول المؤلف أن كثيرا من الناس قد وقعوا في حبائل الزيغ والضلال بسبب الاشتباه، حتى آل الأمر. بطائفة من بني آدم تدعي أنها بلغت في توحيد الله غايته، وفي العلم والتحقيق نهايته، أن اشتبه عليهم
وجود رب العالمين بوجود كل موجود، فظنوا أن المخلوق هو عين الخالق مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء من بعد مماثلة الخالق للمخلوق، ولا شيء ابعد من أن يكون متحدًا بشيء من بعد اتحاد الخالق بالمخلوق، ولا شيء أبعد من أن يكون حالا في شيء من بعد حلول الخالق في المخلوق. وجهة غلطهم أنه ظنوا أن الوجود شيء واحد غير منقسم، وهؤلاء هم أهل الإلحاد القائلون بوحدة الوجود، وأنه ما ثم موجود قديم خالق وموجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله وهو حقيقة وجود هذا العالم. فليس عند القوم رب وعبد، ولا مالك ومملوك، ولا راحم ومرحوم، ولا عابد ومعبود، ولا مستعين ومستعان به ولا هاد ولا مهدي، ولا منعم ومنعم عليه، ولا غضبان ومغضوب عليه، بل الرب هو نفس العبد وحقيقته، والمالك هو عين المملوك، والراحم هو عين المرحوم، والعابد هو نفس المعبود، فما سوى ولا غير بوجه مز الوجوه، وإنما الكائنات أجزاء وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر في البحر وآخر البيت من البيت، ومن شعرهم:
[ ١ / ٢١٩ ]
البحر لاشك عندي في توحده وأن تعدد بالأمواج والزبد
فلا يغرنك ما شاهدت من صور فالواحد الرب سار العين في العدد
وقال ابن عربي الحاتمي شيخ الصوفية الناطق بلسانهم:
العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف
على أن ابن عربي متناقض مضطرب في مسألة الاتحاد، فالله أعلم بما مات عليه، وبالجملة فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من جهة أن أولئك قالوا أن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكون متحدين. وهؤلاء يقولون مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.
ومن جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوه ساريا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. فكيف بمن قال أن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس وكل شيء؟ وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ الآية.
فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى ما هم إلا عين وجود الرب الخالق؟ ليسوا غيره ولا سواه، ولا يتصور، أن يعذب إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون: فهو عين السامع. والواحد بالعين هو الذي لا يقبل التنويع والتقسيم، بل هو شيء واحد والواحد بالنوع هو الذي يقبل التنويع والتقسيم، فهو جنس تندرج تحته أنواع عديدة. واعلم أن الحلول نوعان كما أن الاتحاد نوعان. فهذه أربعة أقسام:
[ ١ / ٢٢٠ ]
الأول هو الحلول الخاص: وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم، ممن يقولون أن اللاهوت حل في الناسوت كحلول الماء في الإناء، وهو قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون: أنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته. وغالية النساك: الذين يقولون بالحلول فيمن يعتقدون فيه الولاية.
والثاني هو الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى، حيث يقولون أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا وصارا شيئا واحدا.
الثالث هو الحلول العام: وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة عن طائفة من الجهمية المتقدمين، الذين يقولون أن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه القرآن كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة وأهل المعرفة. الرابع الاتحاد العام: وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات.
[ ١ / ٢٢١ ]