قوله:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبد هـ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١ / ١٥ ]
ش: هذه خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه روى الإمام أحمد والأربعة من حديث عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الحاجة: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله": والحاجة هنا عامة تقال في النكاح وغيره كما في الرواية التي عند البيهقي من حديث ابن مسعود إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من النكاح أو غيره فليقل "الحمد لله نحمده ونستعينه" الخ.
ويشهد لهذا ما روي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا كلم النبي ﷺ في شيء فقال النبي ﷺ "إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
أما بعد:
قال شيخ الإسلام بن تيمية: والأحاديث كلها متفقة على أن نستعينه نستغفره ونعوذ به بالنون والشهادتان بالإفراد، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وقد ذكر لهذا علة وجيهة ونكتة بديعة وهي قوله "لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال افرد الشهادة بها: ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار أمورًا تقبل النيابة فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله أتى فيها بلفظ الجمع " ولهذا يقول: اللهم أعنا واغفر لنا، قال وفيه معنى آخر وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه
[ ١ / ١٦ ]
بالرسالة وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن غيره فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه لا عن عقد قلبه والله أعلم، "وقد جاء لفظ الحمد في بعض الروايات بغير النون وفي حديث ابن عباس نحمده بالنون مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ولا يقبل النيابة فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه فقد جاءت بهذه الصيغة لتكون ألفاظ الحمد والاستعانة والتعوذ والاستغفار على نسق واحد" وقوله: "من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" يعني أن الهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته وهو أعلم بمواقع فضله وعدله وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة:
قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أولِياءَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى أمثال هذه الآيات الكريمة الدالة علي هذا المعنى: فمن العباد الشقي وهو من أضله بعدله ومنهم السعيد وهو من وفقه وهداه بفضله فلله الحمد على فضله وعدله.
وهذه الخطبة كثيرًا ما يفتتح بها المؤلفون كتبهم اقتداء بالنبي ﷺ حيث جاء عنه ﷺ أنه كان في غالب أحواله يفتتح خطبه بخطبة الحاجة وذلك والله أعلم لما اشتملت عليه من صدق اللجاء إلى الله وطلب العون منه والاعتماد عليه والتبري من الحول والقوة إلا به سبحانه والإقرار بوحدانيته وطلب المغفرة منه والاستعانة به من شرور النفس وسيئات الأعمال.
[ ١ / ١٧ ]