قوله:
ومن هداه الله فرق بين الأمور وأن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام، لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق
الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق وهذا كما أن لفظ "أنا" و"نحن" وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل، ويتكلم بها لواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له. فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحد يزيل ما هناك من الاشتباه،
[ ١ / ٢٢٣ ]
وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم.
وأما حقيقة ما دل عليه ذلك هن حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمهم إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ . وهذا تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء، فقد علم أنه هو وأعوانه، مثل كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا به، وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك.
والله ﷾ لا بعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الأخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
ش: يقول المؤلف أن من أنار الله بصيرتهم وهداهم لتمييز الحق من الباطل، لا يضلون بسبب ما بين الأمور من اشتباه من بعض الوجوه، وهؤلاء هم العلماء الذين يعرفون ما يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويعرفون القدر المشترك بين الشيئين وما يمتاز به كل واحد عن الآخر، فيردون المشكل وغير الواضح إلى قطعي الدلالة وواضح المعنى، فيزول الاشتباه، ويتضح ما بين الشيئين من جهة الجمع وجهة الافتراق بواسطة ردهم المتشابه إلى المحكم.
وكمثال على التشابه الخاص الذي يوضحه المحكم ويزيل ما به من الاشتباه مثل المؤلف بلفظ "إنا" و"نحن" كقوله تعالى: ﴿إنا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
[ ١ / ٢٢٤ ]
مُبِينًا﴾ وقوله: ﴿إنا أنزَلْنَاهُ قُرْأنًا عَرَبِيا﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ونحو ذلك كقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ و﴿وَرَفَعْنَا﴾ حيث تمسك النصارى بمثل هذه النصوص، واستدلوا بها على أن الله ثالث ثلاثة! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقد غفلوا عن كون هذه الصيغة في أصل وضعها العربي يتكلم بها الواحد المعظم نفسه، ويتكلم بها الواحد الذي معه شركاء في فعله. فيؤتى لهؤلاء النصارى بالآيات المصرحة بوجدانية الله كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا أن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ و﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿قُلْ إنما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ إنما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . ونحو ذلك من الآيات المصرحة ببطلان ما يدعون، والمزيلة للاشتباه الذي به يلبسون. فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم المتحدث عن نفسه، وللعظيم الذي له أعوان يطيعونه! فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك، وحينئذ فالرب ﵎ يتكلم ب"أنا" و"نحن " لما له من العظمة والجلال. وعديد الأسماء والصفات التي لا يحصيها إلا هو وما له من الجود الذين هم عبيده وتحت قهره يديرهم كيف يشاء فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ . كما وصفهم الله في سورة الأنبياء، فهو سبحانه أحق بالتكلم ب"إنا" و"نحن" ونحو ذلك.
فنحن إذا نفهم مراد الله بقوله: "إنا"و"نحن" وإن كنا نجهل ما دل عليه ذلك من كيفية صفات الله وحقيقة ذاته المقدسة كما نجهل حقيقة ذوات الملائكة وكيفية صفاتهم، ولا نعلم عددهم ولا كيف يأمرهم الله يفعلون. أما الملك من البشر إذا تكلم ب" إنا" و"نحن" فقد يكون مراده
[ ١ / ٢٢٥ ]
قوله:
وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وأن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين، من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: فيها أنهار من ماء. فهناك قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا. لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلومة لنا. وهو ما أعده الله لعباده الصالحين. مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها، التي هي حقيقة لا يعلمها إلا هو.
ش: يعني بهذه الأمثلة التي تقدمت في بحث " إنا" و"نحن" وبحث الوجود، يتبين أن الاشتباه يكون في الألفاظ المتواطئة - وهي المتوافقة لفظا ومعنى كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليس بمتواطئ! بل هي مشتركة اشتراك لفظيا فقط. ويزول الاشتباه الحاصل بين الشيئين، ويتميز أحدها عن الآخر بالنص القاطع. النافي للمماثلة ويزول أيضا بالتعريف
[ ١ / ٢٢٦ ]
والإضافة، فالمضاف إلى الجنة يعرف الفرق بينه وبين حقائق الدنيا بمجرد الإضافة إليها، لأن ما في الجنة أعظم وأكمل مما في الدنيا.
وهكذا المضاف إلى الله يعرف الفرق بينه وبين المضاف إلى المخلوق بمجرد الإضافة! لأن صفات العظيم عظيمة. وكذلك التعريف فيحصل الفرق بين المعلوم المعهود وبين نيره بمجرد التعريف بأل وحينئذ فمعاني أسماء الله وصفاته وما أخبر به عن اليوم الأخر معلومة مفهومة من الخطاب وإن كنا نجهل كيفية ذلك، فإن حقائق ما وعد الله به في الآخرة داخلة في قوله ﵎ في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونجهل حقائق أسماء الله وصفاته، إذ هذا داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
[ ١ / ٢٢٧ ]