قوله:
فلو قدر على وجه الفرض الممتنع أنه هو مثل خلقه_ تعالى عن ذلك_ لكان استواؤه مثل استواء خلقه، أما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه بل قد علم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لا يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر استواء يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به، فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجًا إليه، وأنه لو سقط العرش لخر من عليه؟ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه، أو ظنه اللفظ ومدلوله، أو جوز ذلك أو جوز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؟ بل لو قدر أن
[ ١ / ١٧٤ ]
جاهلا فهم مثل هذا أو توهمه لبين له أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلا، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه.
ش: يقول المؤلف: أن استواء الله سبحانه لا يمكن أن يكون مثل استواء المخلوق إلا لو كانت ذاته مثل ذوات المخلوقين. فلو قدر على سبيل الفرض الممتنع أن الذات مثل الذوات لأمكن أن يكون الاستواء مثل الاستواء، ومن المعلوم بالضرورة أن ذاته سبحانه لا تماثل الذوات. وقد علم بالضرورة أنه الخالق للعرش ولغيره، وأنه الغني عنا سواه وكل شيء فهو مفتقر إليه، وهو سبحانه أضاف استواءه إلى نفسه. فهو على ما يليق به، وهكذا القول في سائر ما وصف به الرب نفسه. فإن إضافته إليه تقتضي عدم صلاحيته لغيره أو تناوله لسواه، ومن ظن أن قول الأئمة أن الله مستو على عرشه حقيقة يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام، لزمه أن يكون قولهم أن الله له علم حقيقة وسمع حقيقة وبصر حقيقة، وكلام حقيقة يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم. وهذا ما لم يقولوه أصلا. وإذا كان كذلك فكيف يتوهم في حقه سبحانه ما هو من خصائص المخلوقين؟ وكيف يظن أنه يلزم من استوائه على العرش حاجته إليه؟ ما هذا إلا ضلال بين وجهل واضح ممن فهمه أو ظنه ظاهر نصوص الاستواء ومدلولها. فبعدًا لهؤلاء المكابرين للمعقولات والمتجنين على النصوص من زعماء الابتداع ورؤساء الضلال. ولو قدر أن أحدًا ممن لا يفهم معاني النصوص ولا يعلم مدلولاتها توهم أن ظاهرها يقتضي مماثلة الله بخلقه لبين لهذا الجاهل أن هذا ليس هو مراد الله بكلامه، ولا هو مقتضى العقل والفطرة ولم يدل عليه النص البتة، وإنما صرحت النصوص بنفي مماثلته لخلقه ﷾
[ ١ / ١٧٥ ]
قوله:
فلما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأيدٍ﴾ فهل يتوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن وأعوان؟
ش: يعني أن الخالق سبحانه أخبر عن نفسه بأنه بنى السماء بقوة. والمخلوق يوصف بالبناء، ولكن من يقول للشيء كن فيكون. ومن يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ من هذا شأنه لا يمكن أن يتوهم في حقه ما هو من خصائص المخلوق. ومن المعلوم أن السموات والأرض من أكبر مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ . وكما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ والرب سبحانه موصوف ببناء السماء والمخلوق موصوف بالبناء، ولكن المخلوق محتاج في بنائه إلى آلات البناء وأدواته ومحتاج إلى مساعدين، أما الرب "﵎" فغير محتاج إلى شيء من ذلك فلا شريك له، ولا ظهير ولا يعجزه شيء ﷾. وكما أنه لا يلزم من بنائه لسمواته أن يكون مثل بناء المخلوق، فكذلك هو مستو على عرشه. ولا يلزم في حقه ما يلزم في حق المخلوق من الحاجة واللوازم الباطلة.
[ ١ / ١٧٦ ]