قوله:
وكذلك أيضا يقولون إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه.
ش: يعنى وبالإضافة إلى الشبهة السابقة وهي أن إثبات صفة قديمة لله يلزم منه إثبات مثيل له بالإضافة إلى هذه الشبهة تقول المعتزلة والجهمية: إن الصفات كالحياة والعلم والقدرة والاستواء والعلو والمحبة والرضا لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو أثبتنا لله الصفات للزم أن يكون جسما متحيزا وهذا هو التشبيه. هذا هو تقرير شبهتهم والجواب أن يقال أولا: ما تعنون بالمتحيز هل تعنون به المباين لغيره أم تقصدون به الداخل في الأحياز بحيث تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، فإن عنيتم الأول فهذا المعنى ثابت لله فهو فوق سمواته عال وعلى عرشه مباين لخلقه وإن عنيتم الثاني فالله أعظم وأجل من أن يحوزه شيء من مخلوقاته قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرض جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ويقال لهم ثانيا: ما تعنون بالجسم أتعنون به الذات التي تمكن رؤيتها بالأبصار وتصح الإشارة إليها وتتصف بالحياة والسمع والبصر والوجه واليدين والاستواء ونحو ذلك من الصفات أم تعنون به ما كان مركبا من المادة والصورة أو ما كان مركبا من الجواهر الفردة، فإن عنيتم الأول فهو حق وإن عنيتم الثاني فهو باطل وقد سبق بيان هذا عند الكلام على القاعدة الثانية.
ويقال لهم ثالثا: قولكم بأن الأجسام متماثلة دعوى غير صحيحة،
[ ٢ / ١٢ ]
فمن المعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه لم يكن أحدهما مثلا للأخر وإذا اشتركا في أن هذا لون وهذا لون وهذا طعم وهذا طعم وهذا عرض وهذا عرض لم يكن أحدهما مثلا للآخر، فإذا اشتركا في أن لهذا مقدارا ولهذا مقدارا ولهذا حيزا ومكانا ولهذا حيزا ومكانا كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما لأن الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر والمكان للمتمكن والحيز للمتحيز، فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل، فاشتراكهما فيما هو دونه أولى بعدم التماثل، قال الشيخ: فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة بها وفي أنها حاملة لتلك الصفات، وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت، فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض.
[ ٢ / ١٣ ]