قوله:
والمقصود هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيما بناء على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة "النصب" على من تولى أبا بكر وعمر ﵄ بناء على أن من أحبهما فقد أبغض عليا ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى ولهذا يقول هؤلاء: أن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه، وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبينا فساد قول من يقول بتماثلها.
ش: يعني وخلاصة القول أن النفاة يطلقون اسم التشبيه على ما يعتقدونه مقتضيا للجسمية وهو إثبات الصفات. وهذا الحكم منهم مبناه على القول بتماثل الأجسام والمثبتون لأسماء الله وصفاته ينازعونهم في هذا الحكم، فليس إثبات الصفات تشبيها بل هو التوحيد وليست الأجسام متماثلة، فليس السماء كالأرض ولا الخبز كاللبن ولا الحديد كاللحم وهكذا سائر الأجسام. ومثل مقالة هؤلاء النفاة مقالة الرافضة وحكمهم بأن من تولى أبا بكر وعمر فقد نصب العداوة لآل البيت فإنه حكم باطل ينازعهم فيه أهل السنة والجماعة فإنهم يحمون الجميع ويترضون عنهم ومحبة بعضهم لا تنافي محبة البعض الآخر. ولكن هؤلاء الرافضة جعلوا الأشياء لا تتفق من وجه وتختلف من وجه آخر فعندهم لا ولاء إلا ببراء، ولاشك في أن قولهم من تولى أبا بكر وعمر فقد نصب العداوة لعلي مقدمة باطلة، وأما
[ ٢ / ١٧ ]
قولهم ومن أبغضه فهو ناصبي فهي مقدمة صحيحة فإن من أبغض أحدا من الصحابة فقد نصب العداوة له، وحب أصحاب رسول الله ﷺ جميعا واجب كما ثبتت به النصوص. فإذا قال الرافضي: أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد فإنه يقال له نحن نتولى الصحابة والقرابة فإذا قال لا ولاء ببراء فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة بل يكون قد نصب لهم العداوة قيل له هب أن هذا يسمى نصبا فلم قلت أن هذا محرم فإنه لا دلالة على ذم النصب بهذا التفسير كما أنه لا دلالة على ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت. إذا كان الرجل مواليا لهم. ولقد أحسن القائل:
فإني كما زعموا ناصبي إذا كان نصبا ولاء الصحاب
فلا أبرح الرفض من جانبي وإن كان رفضا ولاء الجميع
والرفض هو بغض أبي بكر وعمر ﵄، قيل للإمام أحمد: "من الرافضي؟، قال: الذي يسب أبا بكر وعمر"، وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي.
وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة فإنه ابتدعه بن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه وادعى العصمة له، ولهذا لما كان مبدؤه من النفاق قال بعض السلف حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق، واعلم أن الأصل في الحكم على الأشياء وتسميتها هو باعتبار أن الألفاظ نوعان مذكور في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وكلام أهل الإجماع فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به. فإن كان المذكور به مدحا استحق المدح وإن كان ذما استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته وإن نفي شيئا وجب نفيه لأن كلام الله حق وكلام رسوله حق وكلم أهل الإجماع حق، وحينئذ فمن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما كاسم الكافر والمنافق والملحد ونحو ذلك ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محمودا كاسم المؤمن والتقي والصديق وما أشبه ذلك.
[ ٢ / ١٨ ]
وأما الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها. والألفاظ التي يعارض فبها النفاة النصوص هي من هذا الضرب كلفظ الجسم والحيز والجهة والجوهر والعرض والتركيب. وقول المؤلف: "وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع" معناه أنه قد استوفى الكلام على مسالة الرفض والنصب كما أوضح القول في بطلان تماثل الأجسام وتهافت حجج القائلين بذلك: والبراهين العقلية والنصوص السمعية الدالة على عدم تماثلها: قد بسط الكلام على هذا في غير هذه الرسالة كما في كتابيه منهاج السنة وموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
[ ٢ / ١٩ ]