قوله:
"القاعدة الثانية"
أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف_ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وأن لم يفهم معناه.
ش: يقول المؤلف ما يثبت عنه رسول الله ﷺ تعين علينا تصديقه والإذعان له ولا يتوقف إيماننا به على معرفتنا لمعناه، وذلك أن النبي ﷺ "هو الصادق المصدوق" "الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" فما جاء في كتاب الله أوضح عن رسوله ﷺ تحتم علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه، وإن لم ندرك معناه، بل ما ظهر لنا وأدركته عقولنا فهو من تعليم الله لنا ونعمته علينا، وما لم يصل علمنا إليه قلنا "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".
روى الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا
[ ١ / ١٣٤ ]
آية من القرآن فتحاوروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبًا قد أحمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: مهلا يا قوم بهذا هلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض. أن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه. وروى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: "من الله الرسالة، ومن الله الرسول البلاغ، وعلينا التسليم" وهذا كلام جامع نافع فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب أتباعه فيصدق بأنه حق وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه فإن وافقه فهو حق وإن خالفه فهو باطل. فإن الأمور الإلهية والتعارف الدينية إنما يتلقى العلم بها عن الوحيين لا غير. فلا يثبت إسلام من يسلم لهما واعترض عليهما أو عارضهما برأيه ومعقوله وقياسه.
قوله:
وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصا في الكتاب والسنة، متفق عليه بين سلف الأمة.
ش: يعني كما يجب تلقي ما جاء في الكتاب السنة بالقبول، كذلك يجب تلقي ما ثبت عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة السنة بالقبول أيضًا، مع أن باب الأسماء والصفات إنما يتلقى العلم به عن الوحيين لكن المراد بيان أن سلف الأمة وأئمة السنة أثبتوا ما أثبته الكتاب والسنة من صفات الله ونعوت جلاله كما نفوا ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ. فيجب إذن تلقي ما جاء عنهم بالقبول.
ونذكر هنا شيئًا مما ورد عن بعضهم: في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كانت زينب
[ ١ / ١٣٥ ]
تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات".
وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقوم كما قالت الجهمية، وحكى الأوزاعي أحد الأئمة الأربعة في عصر التابعين الذين هم مالك، إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق: حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال ذلك بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه النافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف خلافه.
فالحاصل أن ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته فقد اتفق على إثباته سلف الأمة وأئمتها، وجل هذا الباب منصوص عليه في الكتاب والسنة.
وهناك أسماء وصفات لله استأثر بها في علم الغيب عنده كما جاءت بذلك النصوص.
[ ١ / ١٣٦ ]