قوله: وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم التشبيه والتركيب. فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم، من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات. وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة، مثل وبود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك فخالفوا الحس والعقل والشرع. وجعلوا ما في الأذهان ثابتا في الأعيان وهذا كله من نوع الاشتباه.
[ ١ / ٢٢١ ]
ش: هذه طائفة أخرى من بني آدم، وقعت في مأزق الضلال بسبب الاشتباه حيث ظنوا أن الخالق إذا وصف بالوجود والمخلوق يوصف بالوجود لزم التشبيه، ولزم أن يكون الخالق مركبا من الصفة والذات، وهذا تشبيه للخالق بالمخلوق. هذا هو زعم هذه الطائفة من الجهمية والمعتزلة وهو قول واضح الفساد، وبين البطلان، فإن الموجود لا يكون مركبا من ذاته وصفته.
اتفاق الموجودين في مسمى الوجود لا يعني أن يكون وجود أحدهما مثل وجود الأخر كما لا يلزم ذلك في سائر الصفات، وقد سبق بيان هذا في غير هذا الموضع ومن أجل أن هؤلاء لا يمكن أن يجحدوا وجود الله قالوا: أن اشتراك الخالق والمخلوق في الوجود إنما هو من باب الاشتراك اللفظي فخالفوا بهذا القول سائر العقلاء على اختلاف أصنافهم وتباين فنونهم حيث اتفقوا على أن الوجود منقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث، كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة، كلفظ سهيل المقول على الكوكب، وعلى سهيل بن عمرو. فإن تلك لا يقال فيها: أن هذا ينقسم إلى كذا وكذا، ولكن يقال: أن هذا اللفظ يطلق على هذا المعنى وعلى هذا المعنى مع العلم بأن المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها، بل أكثرها كذلك. وهذا هو المسمى بالمتواطئ المشكك، وقد تكون متساوية في مواردها وهذا هو المتواطئ العام. فالوجود ونحوه من الأسماء أسماء عامة كلية سواء متواطئة أو مشككة ليست ألفاظا مشتركة اشتراكا لفظيا فقط.
وطائفة من الفلاسفة ضلت أيضا بسبب الاشتباه حيث ظنوا أن الموجودات إذا كانت تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون هناك شيء موجود متشخص تشترك فيه، وهذا غلط واضح فإنه إذا قيل يشتركان في الوجود المطلق الكلي، فذاك المطلق الكلي لا يكون مطلقا كليا إلا في
[ ١ / ٢٢٢ ]
الذهن. فليس في الخارج مطلق كلي يشتركان فيه، بل هذا له حصة منه، وهذا له حصة منه؟ وكل من الحقيقتين ممتازة عن الأخرى والكليات هي الكليات الخمس: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، العرض العام. والقول فيها واحد، فليس فيها ما يوجد في الخارج كليا، ولا تكون مطلقة إلا في الأذهان لا في الأعيان.
والحاصل أن قول هذه الطائفة: بأن الكليات المطلقة مثل وجود ضد عدم، وحيوان ضد جماد، وجسم ضد عرض، وإنسان ضد فرس توجد في الشاهد والعيان. وأن الموجودات إذا كانت مشتركة في مسمى الوجود لزم وجود شيء متشخص تشترك فيه قول باطل، مخالف للمعقول والمحسوس، كما أنه مخالف للنصوص، وهذه الطوائف كلها إنما ضلت بسبب الاشتباه وعدم التفريق، بينما تشترك فيه الموجودات وما يمتاز به بعضها عن بعض.
[ ١ / ٢٢٣ ]