قوله:
وإذا كان كذلك، فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال ولابد له
[ ١ / ٢١ ]
في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه التضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه، من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره أيمانًا خاليا من الزلل.
ش: يقول المؤلف وإذا كان منقسمًا إلى منفي ومثبت. والطلب إلى محبوب مراد. ومبغض ممنوع، فيجب في باب الصفات أن يثبت لله من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، ما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ كما أنه يجب نفي النقائص والعيوب عن الله سبحانه وسيَأتِي شرح هذه الجملة إذ شاء الله تعالى، إذ الكلام على هذا الأصل هو جل موضوع هذه الرسالة.
وأما الأصل الثاني وهو"توحيد الشرع والقدر" فيجب أن يثبت لله ويسلم له ما شرعه من أحكام ويؤمن بقدر السابق، فإن الإيمان بالقدر مرتبط بامتثال الشرع، وامتثال الشرع مرتبط بالإيمان بالقدر، وانفكاك أحدها من الآخر محال، فإن الإقرار بالقدر مع الاحتجاج به على الشرع ومحاربته به مخاصمة لله تعالى في أمره وشرعه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وطعن في حكمته وعدله، وانتقاد عليه في إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونسبة أحكم الحاكمين وأعدل العادلين إلى العبث والظلم، في ذلك كله وكذلك الانقياد "للشرع " مع نفي القدر وإخراج أفعال العباد ذلك كله، وكذلك الانقياد "للشرع" مع نفي القدر وإخراج أفعال العباد عن قدرة الباري وجعلهم مستقلين مستغنين عنه طعن في ربوبية المعبود وملكوته ونسبته إلى العجز، فالإيمان بالقدر"خيره وشره " هو نظام التوحيد كما أن الإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره واستعانة الله عليهما "هو نظام الشرع" ولا ينتظم أمر الدين ولا يستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال: لما قيل له، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: "لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فمن نفى القدر وزعم منافاته للشرع فقد عطل الله عن علمه وقدرته ومعاني
[ ١ / ٢٢ ]
ربوبيته، وجعل العبد مستقلا بأفعاله، خالقًا لها فأثبت خالقًا آخر مع الله تعالى، بل أثبت أن لجميع المخلوقين خالقون ومن أثبته محتجًا به على الشرع محاربًا له به نافيا عن العبد قدرته التي منحه الله تعالى إياها وأمره ونهاه، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم، وإلى العبث، وإلى ما لا يليق به، فالمؤمنون حقا يؤمنون "بالقدر خيره وشره" وأن الله تعالى خالق ذلك كله لا خالق غيره ولا رب سواه وينقادون للشرع أمره ونهيه ويصدقون خبر الكتاب والرسول ويحكمونه في أنفسهم سرًا وجهرًا وهذا هو الإيمان الخالي من الزلل.
[ ١ / ٢٣ ]