قوله:
فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع. وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خرجه، ولا مباينه ولا مداخله.
[ ١ / ١٦٧ ]
ش: هذه جملة معترضة بين المثال المذكور وبين قوله فيما يَأتِي فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان" بين بها المؤلف الفرق بين طريق العلم بالعلو وطريق العلم بالاستواء وأن وصف الجهمية لله بسلب النقيضين مخالف لما جاء في الكتاب والسنة من وصفه سبحانه بالعلو على خلقه واستوائه على عرشه بل قولهم مخالف أيضًا للعقول السليمة والفطر المستقيمة ولا داخل العالم ولا خارجه كما سبق بيان ذلك في القاعدة الأولى.
والمقصود أن علو الله سبحانه فوق جميع مخلوقاته يعلم بطريق العقل الموافق لصريح نصوص الكتاب والسنة. فهو معلوم بالنص كما هو معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بنى آدم وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر، كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل فالفطرة مكملة بالشريعة المنزلة. فإن الفطرة تعلم الأمر مجملا، والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به.
وأما نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام فقد علم بالسمع الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة.
وهنا يحسن ذكر الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني، لأبي المعالي يقول على المنبر "كان الله ولا عرش" فقال يا أستاذ دعنا من ذكر العرش يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط "يا الله" إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني! حيرني الهمداني ونزل!.
[ ١ / ١٦٨ ]
قوله:
فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش: كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ فيتخيل له أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجًا إليه، كحاجة المستو على الفلك والأنعام، فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها.
فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب ﷾. ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك: فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار_ وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرًا ولا قاعدًا، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم.
ش: يعني أن الجهمية ونحوهم من النفاة لم يفهموا من استواء الله على عرشه إلا كما يثبت للمستوي على ظهر الفلك والدابة من الحاجة والافتقار وسائر اللوازم الباطلة التي يؤدي إليها قياس الخالق للكون بأسره، على المخلوق الضعيف العاجز في كل شئونه. وبناء على هذا الفهم الفاسد قالوا: ليس استواء الله الوارد في النصوص بقعود ور استقرار ولا علو ولا صعود، وإنما هو استيلاء بمعنى الملك والغلبة. ولا يعلمون أنه يقال في مدلول الاستيلاء الذي هو الارتفاع والصعود والاستقرار.
فبقال في مدلوله عندهم مثل ما يقال في مدلوله الحقيقي، من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. فإن كانت الحاجة داخله في الاستيلاء فهي
[ ١ / ١٦٩ ]
أيضًا لازمة في القعود والاستقرار وليس الله سبحانه بهذا المعنى مستوليا ولا قاعدًا ولا مستقرًا ولا مرتفعا فإن الحاجة غير لازمة بالنسبة إلى الحي القيوم الغني بذاته عم سواه، بل هو ممتنع غاية الامتناع لأن الحاجة تنافي كمال الغنى. فهم يقولون: إذا قلتم أن معنى استواء الله على عرشه علوه عليه لزم من ذلك أن يكون الله محتاجًا إلى العرش. فيقال لهم وإذا قلتم أن معنى استوائه على العرش وغلبته. لزم من ذلك أن يكون الله مغالبًا على عرشه وأنه كان خارجًا عن ملكه ثم استولى عليه. وإن قالوا استيلاؤه على عرشه هو على ما يليق به ولا يلزم منه محذور. قيل لهم: وصعوده وارتفاعه على عرشه هو على ما يليق به، ولا يلزم منه محذور وحينئذ فإثباتكم للاستيلاء ونفيكم للعلو والارتفاع تعسف ومغالطة. وعلم أنه لم يثبت استعمال لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى. وإنما عمدة الذين قالوا ذلك البيت المشهور:
ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
ولم يثبت بنقل صحيح أنه شعر عربي. وكان غير واحد من أئمة اللغة قد أنكروه وقالوا أنه بيت مصنوع لا يعرف اللغة. وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى إثبات صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف اسناده؟ وقد طعن فيه أئمة اللغة. وذكر عن الخليل كما عند أبي المظفر في كتابه "الإفصاح" قال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا مالا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها. وهو أمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل، وأيضًا فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلا فيما كان مغالبًا فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل استولى" والله لم ينازعه أحد في العرش. قال الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي قدس الله روحه في تفسيره "وهو شجى في حلوق الجهمية والمعطلة"
[ ١ / ١٧٠ ]
في سورة "الأعراف" في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: "استقر" وقال أبو عبيدة: "صعد" قال: وأولت المعتزلة "الاستواء بالاستيلاء" قال: وأما أهل السنة فيقولون: "الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتهم مما يصح معناه عند السامعين". والاستواء معلوم في اللغة مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكين فيه. قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: علا. قال وتقول العرب استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره استوى أي استقر. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ . انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد. قال ابن عبد البر: الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال الشاعر:
فأوردتهم ماءٍ بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استوى لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأمونًا جليلا في علم الصيانة واللغة قال: أعلم ما رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال.
فقال لنا أعرابي إلى جانبه أنه يأمركم أن ترتفعوا. فقال الخليل هو من قول الله ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فصعدنا إليه. وقال عبد الله ابن المبارك وغيره من أهل العلم وأن معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استقر. وتقول العرب: "استويت على ظهر الفرس" بمعنى علوت عليه،
[ ١ / ١٧١ ]
واستويت على سقف البيت بمعنى علوت عليه. وقال الثعالبي ومقاتل ثم "استوى على العرش" يعني استقر، قال وقال أبو عبيدة صعد. وهذه العبارات وإن اختلفت فمقصودهم واحد، وهو إثبات علو الله على العرش.
قوله:
وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقًا معروفة. ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره.
ش: هذه الألفاظ متقاربة المعنى، فبعضها يفسر ببعض فتقول مفسرًا للاستواء هو الاستقرار. وتقول: قعد على شيء واستقر معناه استوى عليه. وإذا عرفت أن كلا منها يفسر الآخر فاعلم أن بعضها قد يؤدي زيادة معنى لا يؤديه الآخر، فمثلا قعد على الشيء يدل على الاستواء عليه. وزيادة معنى وهو أن هذا الاستواء قعود وليس استواء مع قيام. واستقر على الشيء تدل على أنه استوى عليه، وزيادة معنى وهو الثبوت والتمكن عليه. والاستواء أعم من أن يكون قعودًا وأعم من أن يكون معه ثبوت أو تمكن، أو ليس معه ذلك، ولكن مقصود المؤلف أن إثبات الجهمي للاستيلاء ونفيه للارتفاع تفريق بين متماثلين، فإن الاستواء بمعنى الاستقرار، مثل الاستواء بمعنى الاستيلاء من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. وقد علم أن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول كما هو معلوم بين الصحابة والتابعين وتابعيهم فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعًا. قال يزيد بن هارون الواسطي أن من قال "الرحمن على العرش استوى" خلاف ما نقرر في نفوس العمة فهو جهمي.
[ ١ / ١٧٢ ]
قوله:
وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته. فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى وأمثال ذلك. فلم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوق، ولا عامًا يتناول المخلوق كما يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة.
ش: يقول الشيخ أن أصل خطأ الجهمي في نفيه لشيء مع إثبات نظيره إنما جاءه من جهة فهمه الخاطئ بأنه يلزم من كون الله مستو على عرشه أن يكون مثل استواء المخلوق، فإنه بناء على هذا الظن الفاسد نفى أن يكون استواء الله استقرارًا وعلوًا، وجعله ملكًا وغلبة وليس في نصوص الاستواء ما يدل على المماثلة، فإنه سبحانه أضافه إلى نفسه كما أضاف إليها تقديره وبناءه ورؤيته وسمعه وعلمه ونحو ذلك من سائر صفاته. وحينئذ فهذا توهم فاسد وظن خاطئ، فإن الله هو الخالق للعرش، والمخلوق مفتقر إلى الخالق لا يفتقر الخالق إلى المخلوق، وبقدرته قام العرش وسائر المخلوقات وهو الغني عن العرش. وكل ما سواه فقير إليه كيف وأنه كان موجودًا قبل العرش! فإذا كان موجودًا قائمًا بنفسه قبل العرش لا يكون إلا مستغينًا عنه. وإذا كان الله فوق العرش لم يجب أن يكون محتاجًا إليه ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة، وللعبد استواء على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين. فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء، بل هو الغني عن كل شيء. والله يحمل العرش وحملته بقدرته، ويمسك السموات والأرض أن تزولا، فهو
[ ١ / ١٧٣ ]
مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به وكما أنه سبحانه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير ونحو ذلك. ولا يجوز أن يثبت لعلمه وقدرته خصائص الإعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش. ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزماتها، فاقترن الاستواء بحرف "على" وعطف فعله "بثم" على خلق السموات والأرض، وكونه بعد أيام التخليق وكونه سابقًا في الخلق على السموات والأرض، وذكر تدبير أمر الخليقة معه الدال على كمال الملك، كل ذلك دال على أن استواءه سبحانه لا يماثل استواء المخلوقين، ولا يلزمه ما هو من خصائصهم. فإذا أضيف الوصف إلى المخلوق لم يصح أن يدخل فيه وصف الخالق سبحانه، ولم يكن وصف المخلوق كوصف الخالق وإذا أضيف إلى الخالق لم يصلح أن يدخل فيه وصف المخلوقين، ولم يكن وصفه كوصفهم وإذا كان الوصف مطلقًا فهو عام فيهما، متناول لهما لاتفاقهما في المعنى الكلي المشترك.
[ ١ / ١٧٤ ]