قوله:
وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لابد من موجود قديم، غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات: كالحيوان والمعدن، والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد علم بالاضطرار أن المحدث لابد له من محدث، والممكن لابد له من موجد، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ فإن لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم.
ش: الظاهر أن في الكلام محذوفا وتقديره هو كما يَأتِي:
وهذه الطوائف تنفي الصفات نفيًا يستلزم نفي الذات، لأن حقيقة تعطيل ذات الله تعالى عن الوجود وهذا ممتنع، ووجه امتناعه أنه قد علم
[ ١ / ٤٩ ]
بضرورة العقل أنه لابد من موجود قديم، فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود موجودات، ومن المعلوم أيضا أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن، كما نعلم نحن أننا حادثون بعد عدمنا وأن السحاب حادث، والمطر والنبات حادث، والدواب حادثة، وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله تعالى عليها
بقوله: ﴿أن فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها: فإن ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه، وهذه كانت معدومة فوجدت، فدل وجودها بعد عدمها على أنه يمكن وجودها ويمكن عدمها، فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن فنقول حينئذ: الموجود المحدث الممكن لابد له من موجود قديم بنفسه فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه، كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه، وهذا من أظهر المعارف الضرورية: فإن الإنسان بعد حدوثه ووجوده لا يقدر أن يزيل في ذاته عضوًا ولا قدرًا ولا يجعل رأسه أكبر مما هو ولا أصغر: وكذلك أبواه لا يقدران على شيء من ذلك وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان. فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال: من ضربني؟ فلو قيل له لم يضربك أحد لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث! بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث. فإذا قيل فلان ضربك بكى حتى يضرب ضاربه، فكان في فطرته الإقرار بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في أساري بدر قال: وجدت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور قال: فلما سمعت هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أحست بفؤادي قد انصدع، وذلك أن هذا تقسيم حاصر
[ ١ / ٥٠ ]
ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها.
يقول "أم خلقوا من غير شيء" أي من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم؟ وهم يعلمون أن كلا الأمرين باطل، فتعين أن لهم خالقًا خلقهم ﷾ وقوله: "ليس بواجب ولا ممتنع " معناه أن عدم المحدث قبل وجوده ينفي كونه واجب الوجود، ووجوده بعد عدمه ينفي كونه ممتنع الوجود، والمعدن بكسر الدال هو المكان الذي عدن به الجوهر ونحوه. سمي به لعدون ما أنبته الله في أي إقامته به ثم سمي به الجوهر ونحوه فهو إذا كل متولد في الأرض لا من جنسها.
قوله:
وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن، يقبل الوجود والعدم: فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام. لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره، فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود. أن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليا- هو مسمى الاسم المطلق وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود: فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما.
ش: يقول الشيخ قد علم ضرورة أن الكون فيه قديم واجب الوجود هو الله سبحانه. ومحدث ممكن يقبل الوجود والعدم هو المخلوق. فكل منهما موجود ولكن لا يقول أحد أن وجود القديم الواجب
[ ١ / ٥١ ]
بنفسه مثل المحدث الممكن: بل وجود كل منهما خاص به وان كانا يتفقان في المعنى العام للوجود، ثم ضرب المؤلف مثلا للتفاوت بين وجود بعض المخلوقات ووجود البعض الآخر: كالعرش والبعوض فإذا كان وجود بعض الموجودات لا يماثل وجود بعضها فكيف بوجود الخالق للكون بأسره.
ووجود المخلوق الحادث بعد أن لم يكن ويطرأ عليه العدم بعد وجوده. وقوله: "واتفاقهما في اسم عام" الخ: معناه أن الخالق سبحانه يسمى عليما والمخلوق يسمى عليما، وكون الخالق متصفا بالعلم، والغضب، والمحبة، ونحو ذلك والمخلوق متصفا بذلك لا يوجب هذا التوافق تماثلا في مدلول العليم ومدلول الغضب والمحبة لا حين يضاف الاسم أو الصفة إلى الخالق ويصبح الاسم والصفة مقيدين بمن نسبا إليه ومختصين به ولا في حالة كون المعنى مشتركا بينهما: فالضمير في قوله: "ولا في غيره" راجع إلى التقييد والتخصيص وغيره هو الإطلاق: فالمعنى التوافق في الاتصاف بالصفة والتسمي بالاسم لا يوجب تماثلا في حالة التخصيص والتقييد والإطلاق وقوله: "لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرها يشتركان فيه" المراد أن المسميين يشتركان في المعنى العام الكلي، وهذا لا وجود له إلا في الذهن أما أن هناك شيئا متجسدا يشاهد عيانا تشترك فيه المسميات فلا، بل هذا مخالف للحس والعقل والشرع: وضمير
التثنية راجع إلى العرش والبعوض: وقوله "بل الذهن يخذ معنى مشتركا كليا" الخ.
معناه أن العقل يدرك أن المعنى العام مشترك بين المسميات لكل منها نصيب منه إلا أن ما يخص بعضها من هذا المعنى العام يخالف ما يخص بعضها الآخر فلكل منها ما أضيف إليه
. وإذا لم يلزم مثل ذلك في العرش والبعوض فماذا قيل في الخالق العظيم أنه موجود لا معدوم حي لا يموت لا تأخذه سنة ولا نوم فمن أين
[ ١ / ٥٢ ]
يلزم أن يكون مماثلا لكل موجود وحي وقائم؟ وما ينفى عنه العدم والموت والنوم: كأهل الجنة الذين لا ينامون ولا يموتون وذلك أن هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس كالوجود والحياة. سواء اتفقت معانيها في محالها وهو التواطؤ العام أو تفاضلت وهو التواطؤ المسمى بالمشكك تستعمل مطلقة عامة، كما إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث، وتستعمل مضافة مختصة كما إذا قيل وجود زيد وعمرو وذات زيد وعمرو، فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره: فإنما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره، فإذا قيل علم زيد ونزول زيد، واستواء زيد، ونحو ذلك لم يدل هنا إلا على ما يختص به زيد. من علم ونزول واستواء - ونحو ذلك لم تدل على ما يشركه فيه غيره، فإذا كان هذا في صفات المخلوق فذلك في الخالق، أولى: فإذا قيل علم الله، وكلام الله ونزوله واستواؤه، ووجوده وحياته، ونحو ذلك لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك، فالله لا مثل ولا كفؤ له ولا ند فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره. ولا كلامه مثل كلام غيره، ولا حياته مثل حياة غيره.
[ ١ / ٥٣ ]