قوله:
واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم: ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي، ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول كالجمع بين النقيضين.
ش: سبق بيان هذا عند قول المؤلف في المقدمة: " فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين" ولكن كرر المؤلف ذلك: بمناسبة كلامه على النفي الذي لا يتضمن إثبات صفة كمال وإنما هو تشبيه بالناقصات، من جمادات أو معدومات، أو ممتنعات. وسلب هؤلاء الغلاة من جهمية وقرامطة ومن شابههم كالفلاسفة، إنما هو تشبيه لله بالممتنعات، فإنه يلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن تقديرا، كما يقدر كون الشيء موجودا معدومًا أولا موجودا ولا معدوما. فلزمهم الجمع بين النقيضين، والخلو عن النقيضين. وهذا من أعظم الممتنعات باتفاق العقلاء.
[ ١ / ١٢٩ ]
قوله:
وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه.
ش: معناه أن مقالة النفاة العاديين أشنع في الكفر من مقالة النفاة المحضة، لأنه يلزم من نفيهم صفة الكمال عن الله وصفهم له بنقيضها، أما النفاة المحضة فقد صرحوا بنفي صفة النقص، كما صرحوا بنفي صفة الكمال، فهم أقرب إلى التنزيه من جهة تصريحهم بنفي صفة النقص، ومقالة الفريقين تشبه مقالة طائفتين من الفلاسفة إحداهما تصف الله بسلب الأمور الثبوتية والسلبية والأخرى تصف الله بسلب الأمور الثبوتية فقط. والأولى أقرب إلى الصواب من الثانية لأنه إذا وصف بسلب الأمور الثبوتية دون العدمية، فهو أسوء حالا من الموصوف بسلب الأمور الثبوتية والعدمية، حيث يشارك سائر الموجودات في مسمى الوجود، وتمتاز عنه بأمور وجودية وهو يمتاز عنها بأمور عدمية، وأما إذا وصف بسلب الأمور الثبوتية والعدمية معًا، كان أقرب إلى الوجود، وأن كان هذا ممتنعًا فذاك ممتنع وهو أقرب إلى العدم.
قوله:
فإذا قيل لهؤلاء هذا مستلزم وصفه بنقيض ذلك، كالموت والصمم والبكم، قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا لذلك، وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا.
ش: يعني أن النفاة غير المحضة إذا قيل لهم سلبكم لهذه الصفات يلزم منه اتصاف الله بنقيضها، فنفي العلم عنه سبحانه يلزم من اتصافه بالجهل، ونفي الكلام يلزم منه اتصافه بالبكم، ونفي القدرة يلزم منه
[ ١ / ١٣٠ ]
اتصافه بالعجز، وهكذا سائر الصفات. إذا قيل لهم هذا القيل: قالوا معتذرين: إنما يلزم من نفي الصفات عن الله اتصافه بأضدادها لو كان قابلا لتلك الصفات: أما إذا كان غير قابل لها فإنه لا يلزم من نفيها عنه اتصافه بضدها، فالإشارة في قوله إنما يلزم ذلك راجعة إلى اتصافه بنقائض تلك الصفات كالجهل والعجز والبكم.
والإشارة في قوله لو كان قابلا لذلك: راجعة إلى صفات الكمال ولا شك أن اعتذارهم هذا يزيد قولهم سوءًا إلى سوء: لأن نفي قبول الصفة أفظع من مجرد نفي الصفة كما تقدم إيضاحه.
[ ١ / ١٣١ ]