قوله:
فإن قيل إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه من ذلك الوجه. ما جاز عليه ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه، قيل هب أن الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعا كما إذا
[ ٢ / ٢١ ]
قيل أنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض عباده حيا سميعا عليما بصيرا، قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى، فإن ذلك لا يقتضي حدوثا ولا إمكانا ولا نقصا، ولا شيئا مما ينافي صفات الربوبية وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم أو السمع أو البصر، أو السميع أو البصير، أو القدرة أو القدير، والقدر المشترك مطلق كلى لا يختص بأحدهما دون الأخر، فلم يقع بينهما اشتراك، لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه فإذا كان القدر المشترك الذي فيه صفة كمال كالوجود والحياة والعلم والقدرة ولم يكن في ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين. كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذورا أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود.
ش: يعني أن قال قائل: إن الموجودين إذا تشابها من وجه جاز على أحدهما من ذلك الوجه ما جاز على الآخر ووجب له من ذلك الوجه ما وجب للآخر وامتنع عليه من ذلك الوجه ما امتنع على الآخر قيل له افرض أن ذلك صحيح ولكن إذا كان لازم ذلك القدر المشترك الذي حصل فيه الاتفاق ليس فيه محذور وليس ممتنعا ولا يستلزم نفي صفات كمال ولا إثبات أوصاف نقص كما إذا قيل عن الله سبحانه أنه موجود حي عليم قدير سميع بصير والمخلوق يوصف بهذه الصفات فقد اتفقا في المعنى العام وهو القدر المشترك وهو مدلول الوجود ضد العدم والموجود ضد المعدوم ومدلول الحي ضد الميت والحياة ضد الموت ومدلول العليم ضد الجاهل والعلم ضد الجهل ومدلول القدير ضد العاجز والقدرة ضد العجز. ومدلول السميع ضد الأصم والسمع ضد الصمم ومدلول البصير ضد الأعمى والبصر ضد العمى: فقد اتفقا في مدلول الاسم ومدلول الصفة وذلك هو القدر المشترك
[ ٢ / ٢٢ ]
وهو معنى عام كلي ولم يوجب ذلك أن يشترك المحدث الممكن وهو المخلوق مع الواجب القديم وهو الله سبحانه فيما هو من خصائص أحدهما: بل ما أضيف إلى وأحد منهما فهو مختص به وهو على ما يليق به فإن الصفة تتبع الموصوف: فإذا كان القدر المشترك كما لا نقص فيه: ولم يحصل اشتراك فيما يختص بكل منهما لم يكن في إثبات ذلك القدر محذور؟ بل إثباته من مقتضيات الوجود: فإن الموجودات لابد بينها من الاتفاق في المعنى العام ومن نفى هذا المعنى المشترك لزمه تعطيل سائر الموجودات عن الوجود.
قوله:
ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذه حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة، وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئا، ولربما قالت الجهمية هو شيء لا كالأشياء. فإذا نفى القدر المشترك مطلقا، لزم التعطيل العام، والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى، كالحياة والعلم والقدرة، بل والوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك تجب لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا. بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم، ونحو ذلك، والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم، وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة. وبين فيها: أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدها الأخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله.
[ ٢ / ٢٣ ]
ش: يعني ومن أجل أن من نفى اشتراك الموجودات في المعنى العام يلزمه التعطيل المحض لكل موجود من أجل ذلك كان أهل السنة والجماعة يسمون نفاة صفات الله معطلة: لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله عن الوجود: وكان رأسهم الجهم ينكر أن يسمي الله شيئا زعما منه أن إثبات كون الله شيئا يلزم منه مشابهته لسائر الأشياء، وبعدا وسحقا لتنزيه مدلوله، تعطيل الذات العلية عن الوجود، وأتباع الجهم قد يتحاشون في بعض الأحيان عن قول الجهم بإنكار كون الله شيئا فيقولون هو شيء لا كالأشياء وهذه الكلمة حق فالله سبحانه شيء لا يماثله أحد من خلقه: ولكن يقال لهم هلا أثبتتم أسماء الله وصفاته الواردة في كتابه وعلى لسان رسوله وقلتم بنفي المماثلة كما قلتم أنه شيء لا كالأشياء، والحقائق التي يوصف بها الرب من حياة وعلم وقدرة ووجود وذات ونحو ذلك ككونه شيئا ثابتا هذه الحقائق تجب لوازمها ولوازمها هي صفات الحي الموجود الرب الكامل: فالذات والحقيقة والوجود ملزومات والصفات لازمها: وثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم ولازم صفات الله الكمال كما أن لازم أوصاف المخلوق النقص: ومن أدرك هذه الحقائق وميّز ما تشترك فيه وما تختلف فيه زالت عنه الشبهة التي التبس عليه الأمر بسببها وانكشف له غلط كثير من الأذكياء الذين غلطوا في باب أسماء الله وصفاته لالتباس هذه الحقائق عليهم والأمور الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها. وإنما الاشتراك في المعنى العام الذي يطلق على هذه الحقيقة وهذه الحقيقة. وليس في الخارج ذات موجودة تشترك فيها الموجودات. أما الموجودات التي في الخارج فبعضها متميز عن بعض في الذات والصفات والأفعال. وقد بسط المؤلف هذا البحث في عدد من كتبه. ومنها رسالته التي رد فيها على أهل القول بوحدة الوجود.
[ ٢ / ٢٤ ]