وهذا أوان الشروع في المقصود
قوله:
قال الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه:
ش: الشيخ جمعه أشياخ وشيوخ وهو إما مصدر شاخ أو صفة وسمي المؤلف شيخا لما حوى من كثرة المعاني لأن معناه في الاصطلاح من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صبيا، وأما في اللغة فمعناه من جاوز الأربعين، وقوله:- الإمام- معناه لغة المقدم على غيره، وفي الاصطلاح من يصح الإقتداء به، وله معان أخر، والعالم كل من اتصف بالعلم ولو كان مبتدئًا في الطلب، والعلامة- صفة مبالغة فلا يوصف بها إلا من حاز المعقول والمنقول والمراد بها هنا كثير العلم وقوله "شيخ الإسلام" أي عالم الإسلام وحجة الإسلام وذلك لما امتاز به على غيره من فرط الذكاء وسيلان الذهن وقوة الحافظة وغزار ة العلم، فقد كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله ولم يبرح رحمه الله تعالى في ازدياد من العلم وتدريسه ونشره والاجتهاد في سبيل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم، والعمل، والزهد، والورع والحلم، والأناة، وبهذا استحق أن يلقب بحق شيخ الإسلام فهو كقولهم حجة الإسلام، ومعنى اللقبين العالم بعلوم الشريعة والحجة فيها.
وقوله "تقي الدين" أي صينه ونقيه، فقد كان ورعًا صواما ذاكرًا لله تعالى في جميع أحواله عابدًا ناسكًا وقافًا عند حدود الله، وقوله "أبو العباس " أحمد: يعني- ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي
المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي
[ ١ / ١٣ ]
البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني نزيل دمشق.
وقد ذكر ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان أن المسؤول عن اسم تيمية هو محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله: فعلى هذا يكون عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية: قوله: "ابن تيمية " سبب نسبته إلى تيمية هو ما ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ "اربل " قال سألت محمدا يعني ابن الخضر عن اسم تيمية ما معناه " فقال حج أبي أو جدي أنا أشك أيهما قال: وكانت امرأته حاملا فلما كان بتيماء رأى جويرية حسنة الوجه قد خرجت من خباء فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعت جارية فلما رفعوها إليه قال: يا تيمية يا تيمية، يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء فسمي بها أو كلاما هذا معناه وتيماء بليدة في بادية تبوك إذا خرج الإنسان من خيبر إليها تكون على منتصف طريق الشام. وتيمية نسبة إلى هذه البليدة وكان ينبغي أن تكون تيماوية لأن النسبة إلى تيماء تيماوي لكنه هكذا قال واشتهر كما قال:
قوله الحراني نسبة إلى حران وهي مدينة مشهورة ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه أن هارون عم إبراهيم الخليل ﵊ عمرها فسميت باسمه فقيل هاران ثم أنها عربت فقيل
حران وهاران المذكور هو أبو سارة زوجة إبراهيم وكان لإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أخ يسمى هاران أيضا وهو أبو لوط ﵇. وقال الجوهري في كتاب الصحاح حران اسم بلد والنسبة إليه حرناني على غير قياس والقياس حراني على ما عليه العامة وهذه الكلمة الوجيزة عبارة عن تقدمة تعريفية بالمؤلف تشير إلى مكانته العلمية ونسبه ووطنه فهي من بعض تلاميذه أو غيرهم ممن نسخو هذه الرسالة أما صلب
[ ١ / ١٤ ]
كلام المؤلف فيبدأ من قوله الحمد لله نحمده ونستعينه:
وقد ولد الشيخ بحران يوم الاثنين عاشر وقيل ثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ستمائة وإحدى وستين هجرية وسافر والده به وبإخوته عند جور التتار إلى دمشق أثناء سنة ستمائة وسبع وستين وقد برع في الفنون العديدة وهو ابن بضع عشرة سنة فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وسرعة إدراكه وقد سمع العلم عن أكثر من مائتي شيخ وجهاده بلسانه وسنانه في سبيل الله مشهور معروف وقد حسده منافسوه وسعوا في مكيدته بغيا وعدوانًا وجرى له من المحن أشياء كثيرة منها محنته بسبب تأليفه الحموية ومنها سجنه بسبب فتياه في الطلاق ولما كان في سنة سبعمائة وست وعشرين وقع الكلام في شد الرحال وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين فأفتى الشيخ ﵀ بالمنع عن شد الرحال فحصل ما حصل من قضاة عصره وعلماء زمانه فحبس بأمر من السلطان بقلعة دمشق وقد بقي
مقيما بهذه القلعة سنتين وثلاثة أشهر وأياما ثم توفي إلى رحمة الله ورضوانه سنة سبعمائة وثمان وعشرين: وكان في هذه المدة مكبًا على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين فما حاله مع خصومه إلا كما قال الشاعر:
فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه ولا تجنوا معروفه في القبائل
وإذا صح لنا أن نسلب معنى بيت الشاعر قلنا:
فإن تسجنوا التيمي لا تسجنوا اسمه ولا تسجنوا مأثورة في العوالم
[ ١ / ١٥ ]