﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]،
الشرح
١ - صفة الرؤية. ٢ - صفة السمع. ٣ - صفة العلم.
قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الصفات المثبتة:
١ - صفة السمع. ٢ - صفة البصر. ٣ - صفة المعية.
٤ - صفة العلم. ٥ - صفة الرؤية.
السمع المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين:
١ - سمع يتعلق بالمسموعات، ومعناه إدراك الصوت.
٢ - سمع بمعنى الاستجابة.
وقد قسم العلماء السمع المتعلق بإدراك الأصوات إلى ثلاثة أقسام:
الأول: السمع الذي يقصد به التهديد، كما في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
الثاني: السمع الذي يقصد به التأييد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
الثالث: السمع الذي يقصد به الإحاطة، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ
[ ١١٥ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]،وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥،١٦].
الشرح
قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
بعد ذلك ذكر المُصَنِّف ﵀ جملة من الآيات المشتملة على: إثبات صفتَيِ المكر والكيد لله - ﷿ - وهما من الصفات الاختيارية.
لكن أهل العلم يذكرون أن هذه الصفات وما جاء بنحوها من باب المقابلة، فيمكر الله بمن يمكر به، ويكيد لمن أراد الكيد له - ﷾ -، ومن ذلك الاستهزاء؛ فالله يستهزئ بمن يستهزئ به.
نلاحظ في هذه الآيات الواردة في هذا الباب أنها جاءت مقيَّدة وليست مطلَقة، أي لم يأتِ وصفُ الله بالمكر مطلقًا، بل وصف الله نفسه بهذا لمن يمكر به، وهكذا صفة الكيد والاستهزاء، وعلى هذا لا يجوز اشتقاقُ اسم الماكر والكائد والمستهزئ.
وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ معناه شديد الأَخْذ بالعقوبة، قال علي ﵁: «﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ» (^١)، وقال ابن عباس ﵄: «أي: شديد الحول» (^٢). والمِحال والمُماحلة المراد بهما المماكرة والمغالبة.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٩٦).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٩٦).
[ ١١٦ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩].
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]
الشرح
الخلاصة: في معنى هذه الآيات: أن الله تعالى شديدُ المكر والكيد والعقوبة لأعدائه؛ فهو - ﷾ - يَفْجَؤُهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.
والكيد على نوعين:
١) كيد قبيح: وهو إيصال الكيد لمَن لا يستحقُّه.
٢) كيد حسن: وهو إيصال الكيد لمن يستحقه من باب العقوبة.
فالنوع الأول كيد مذموم وينزه الله تعالى عنه، والذي يوصف بالكيد هو المخلوق، أما الله سبحانه فكيده حسن، ولا يكيد سبحانه إلا لمن يستحق الكيد.
ذكر المُصَنِّف ﵀ بعد ذلك جملةً من الآيات المتعلقة ببعض الصفات:
قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الصفات المأخوذة من هذه الآية:
١) العفو: من قوله: ﴿عَفُوًّا﴾.
٢) القدرة: من قوله: ﴿قَدِيرًا﴾.
قوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نثبت من الآية صفتين هما:
[ ١١٧ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢].
الشرح
١) صفة المغفرة.
٢) صفة الرحمة.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ نأخذ منها صفة العزة من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ نأخذ منها صفة العزة.
ففيها إثبات العزة لله تعالى، ومعنى هذه الصفة الكريمة دائرٌ على القوة والامتناع والغلبة؛ قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: «فإن العرب تقولُ: عزَّ يعَزُّ بالفتح إذا قوي، وعزَّ يعِزُّ بالكسر إذا امتنع، وعزَّ يَعُزُّ بالضم إذا غلَب» (^١).
هذه الآيات الأربع التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ قد تضمَّنت إثبات خمس صفات:
١ - صفة العفو. ٢ - صفة القدرة. ٣ - صفة المغفرة.
٤ - صفة الرحمة. ٥ - صفة العزة.
وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] في هذه الآية أخبر الله ﷿ عن إبليس الرجيم أنه أقسم بعزة الله على أمرٍ كبيرٍ، وهو إغواء بني آدم وتزيين
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ٣٢٥).
[ ١١٨ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].
الشرح
الشهوات لهم، لكن جاءت البشرى بعد ذلك بسلامة المُخْلَصِين الذين لا يَقدِر على إضلالهم؛ لقوة تمسكهم بدينهم واعتمادِهم على الله - ﷿ - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٣].
وفي هذه الآية ردٌّ على بعض الطوائف التي أنكرت الجنَّ، ويحتكمون إلى العقل وإلى الاحتجاج بعدم المشاهدة، ولا حجة في ذلك؛ لأنهم عالم غيبي بالنسبة لنا.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه أنهم يتمثلون ببعض الصور؛ قال ﵀: «والجن يتصوَّرون في صور الإنس والبهائم؛ فيتصورون في صور الحيَّات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم؛ كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وكما رُوي أنه تصور في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة» (^١).
قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] ذكر هذه الآية لإثبات الاسم لله تعالى، وقد دلت الآية على البركة في هذا الاسم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٤٤،٤٥).
[ ١١٩ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]،
الشرح
والبركة إما أن يوصف الله بها؛ فيكون المعنى: تعالى وتعاظَم، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].
وإما أن يوصف اسمُ الله بها كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، ويكون المعنى على هذا: أن اسم الله إذا صاحَبَ شيئًا حلَّت فيه البركة، ولذلك شُرِعَ ذكرُ اسم الله في مواطنَ كثيرةٍ: عند قراءة القرآن، وعند الذبح، وعند الجماع، وغيرها، والثمرة من ذلك حلول البركة في هذا العمل الذي يعمله الإنسان.
ثم ذكر المُصَنِّف ﵀ بعضَ الآيات المتعلقة بصفات السلوب؛ أي الصفات المنفية.