وَقَوْلُهُ؟ فِي رُقْيَةِ المَرِيضِ: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ؛ فَيَبْرَأَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
الشرح
وكيف نجمع بين هذا الحديث؛ وفيه تكليم الله لكل الخلق، وبين قول الله عن الكفار: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧]؟
الجواب: التكليم في هذا الحديث للمحاسبة، ونفيُ التكليم في الآية للإهانة والتحقير.
الثاني: تكليم بواسطة: وهو كلامه لرسله عن طريق الملائكة أو جبريل.
قوله: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ » هذا الحديث من رواية أبي الدرداء، وهو صريح في إثبات صفة العلو لله تعالى، وذلك من قوله: «اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»، والعلو صفة ذاتية لا تنفك عنه مطلقًا.
ويدل الحديث أيضًا على صفة الرحمة من قوله: «اجْعَلْ رَحْمَتَكَ».
ونأخذ من الحديث أيضًا مشروعيةَ التوسل إلى الله تعالى بالثناء عليه بربوبيته وقدسيته وبقية صفاته، وهذا من أنواع التوسل المشروع، وسبق الكلامُ عليها في شرح لامية شيخ الإسلام.
قوله: «أَلَا تَامَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ويصح: «وأنا أمينٌ في السماء»، أمينٌ بالتنوين أي موصوف بهذه الصفة في السماء، أي: صفة الأمانة،
[ ١٥٠ ]
وَقَوْلُهُ؟: «أَلَا تَامَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ الماءِ، واللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
الشرح
والنبي - ﷺ - موصوف بذلك في السماء، والمعنى على الوجه الثاني: «أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» يعني أمين الله تعالى على وحيه.
والصفة المثبتة من هذا الحديث صفة العلو من قوله: «مَنْ فِي السَّمَاءِ».
وقوله: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْماءِ، واللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» رواه أبو داود وغيره من حديث ابن عباس ﵁، وهذا الحديث يُسمى بحديث الأَوْعال، وكأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى تحسينَه من خلال الشواهد الصحيحة التي تشهدُ لبعض متنه، ولكن الحديث فيه ضعف، وقد أُعِلَّ بعدة علل:
الأولى: تفرد سِمَاك برواية الحديث، وسماك بن حرب لا يُحتج به إذا انفرد، قال الإمام أحمد: «مضطرب الحديث».
وقال الدارقطني: «سيء الحفظ» (^١).
والثانية: أن عبد الله بن عُمَيرة مجهول (^٢).
والثالثة: عدم ثبوت سماع ابن عميرة من الأحنف، قال البخاري: «ولا
_________________
(١) ينظر: الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٩)، وعلل الدارقطني (١٣/ ١٨٤).
(٢) ينظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٤٦٩)، ولسان الميزان (٩/ ٣٤٣).
[ ١٥١ ]
وَقَوْلُهُ؟ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ الله؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الشرح
نعلم له سماعًا من الأحنف» (^١).
والرابعة: الوقف، قال الترمذي: «وروى شَرِيك، عن سماك، بعضَ هذا الحديث، ووَقَفه ولم يرفعه» (^٢). ورواية شريك عن سماك أرجحُ من رواية غيره في هذا الحديث.
والخامسة: أن متن الحديث فيه نكارة في سياقه، ويظهر ذلك من وجهين:
١ - تشبيه الملائكة بالتيوس، فالأوعال جمع وَعِل؛ وهو تيس الجبال.
٢ - أكثر الأصول تذكر الأظلاف مؤنثة، وهو معنى منكرٌ في حق الملائكة.
وفي الحديث الجمعُ بين الإيمان بعلوه على عرشه فوق مخلوقاته وإحاطته بجميع المخلوقات، فهو - ﷾ - مع علوه يعلم ما في نفس العبد؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
«وَقَوْلُهُ لِلْجَارِيَةِ: أَيْنَ الله؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ » هذا الحديث رواه مسلم من طرق متعددة (^٣).
ويستفاد من الحديث ما يلي:
_________________
(١) التاريخ الكبير (٥/ ١٥٩).
(٢) جامع الترمذي (٥/ ٤٢٥).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٣٨١) رقم (٥٣٧).
[ ١٥٢ ]
أولًا: جواز الاستفهام عن الله بـ «أين»، لقوله للجارية: «أين الله؟».
قال الناظم:
وَقَدْ جَاءَ لَفْظُ الأَيْنِ مِنْ قَوْلِ صَادِقٍ رَسُولِ إِلَهِ الْعَالَمِين مُحَمَّد
كَمَا قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ كَذَاكَ أَبو دَاودَ والنَّسَئِي قَد
قال ابنُ عثيمين ﵀: «واستفهام النبي بـ (أين) يدل على أن لله مكانًا» (^١)، لكن لا يخفى أن الله لا يحيط به شيء سبحانه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
ثانيًا: إثبات صفة العلو لله تعالى؛ لإقراره - ﷺ - قولَها: «فِي السَّمَاءِ» والسماء إذا أطلقت في اللغة فالمراد بها العلو.
ثالثًا: تضمَّن هذا الحديثُ شهادةَ الرسول ﷺ بالإيمان للجارية لمَّا اعترفت بعلو الله على خلقه، وذلك بعدما سألها النبي ﷺ وقال: «أَيْنَ الله؟» قالت: «فِي السَّمَاءِ»، وفي هذا دليل على أن وصف الله بالعلو من أعظم أوصاف الباري جل وعز، لأن النبي ﷺ خصه بالذكر دون بقية الأوصاف، وهذا دليل على قبح رأي الحُلوليَّة.
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٨/ ٢٩٥).
[ ١٥٣ ]
وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الشرح
قوله: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الله مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» هذا الحديث رواه الطبراني من حديث عبادة (^١)، وهو ضعيف (^٢).
ونثبت من الحديث -على فرض صحته- صفة المعية، وهذه المعية عامة من قوله: «مَعَكَ»، لكن لا يعني ذلك أنه حالٌّ في كل مكان كما قالت الحلولية.
وقوله: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ» نستفيد منه أن الإيمان يتفاوت، وفي هذا رد على المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية.
قوله: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ » هذا الحديث متفق عليه (^٣)، ونستفيد منه إثبات أن الله قِبَل وجه المصلي حين يصلي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الحموية»: «إن الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش وهو قِبلَ وجه المصلي» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٤).
(٢) قال الطبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن عروة بن رويم إلا محمدُ بن مهاجر، تفرد به: عثمان بن كثير». وقال أبو نعيم: «غريب من حديث عروة لم نكتبه إلا من حديث محمد بن مهاجر».
(٣) صحيح البخاري (١/ ٩٠) رقم (٤٠٦)، وصحيح مسلم (١/ ٣٨٨) رقم (٥٤٧).
(٤) ينظر: الحموية ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٧).
[ ١٥٤ ]