وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ:
الشرح
ولم تَرَ لانكشافِ الضُّرِّ وَجْهًا ولا أغنَى بحِيلَتِه الأرِيبُ
أتاكَ على قُنوطٍ منك غَوثُ يمُنُّ به اللطيفُ المُستجِيبُ
وكُلُّ الحادِثاتِ إذا تناهَتْ فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ
والقنوط: أشد اليأس.
وقوله: «وَقُرْبِ غِيَرِهِ» الواو هنا بمعنى (مع) أي: (مع قرب غِيَرِهِ)، والغِيَر - بكسر الغين وفتح الياء - بمعنى التغيير؛ لأن الله - ﷾ - هو الذي بيده تدبير الأمور وتغييرها، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.
وهذا الحديث اشتمل على ست صفات من صفات الله تعالى، وهي:
١ - العَجَب: من قوله: «عَجِبَ رَبُّنَا».
٢ - الضحك: من قوله: «فَيَظَلُّ يَضْحَكُ».
٣ - النظر: من قوله: «يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ».
٤ - العلم: من قوله: «يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ».
٥ - القدرة: من قوله: «قُرْبِ غِيَرِهِ»، والتغيير دليل القدرة، فمِن صفاته سبحانه القدرة، ومن أسمائه القادر.
٦ - الرحمة؛ لأن فرجه لعباده دليل على رحمته بهم.
قوله: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ » الحديثَ.
[ ١٤٧ ]
قَطْ قَطْ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الشرح
هذا الحديثُ فيه إثبات صفة (الرِّجْل) أو (القَدَم) لله سبحانه، فنثبت هذه الصفة لله تعالى وأنها تجري مجرى بقية الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته.
والحديث فيه فوائد كثيرة؛ من أبرزها:
١ - ما أراده المُصَنِّف هنا من إثبات صفة القدم لله على ما يليق به سبحانه.
٢ - إثبات القول من الجماد؛ إذ تقول النار: «قط، قط».
وهذا دليل على قدرة الله تعالى، وهو الذي أنطق كل شيء، وقد ورد في نصوص أخرى إثباتُ إحساس الجمادات، لكن لا ندركه ولا نشاهده، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤].
وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
بماذا أجاب المبتدعة عن حديث الباب: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا»؟
قالوا: المراد بالرجل في الحديث جماعة من الناس أو القوم من الناس كما يقال في اللغة: «رِجْلُ جَرَاد»، فيكون المقصود جماعة من الناس، لكن في الحديث رد على هذا التأويل من وجهين:
الأول: أنه قال في الحديث: «حَتَّى يَضَعَ» ولم يقل: (حتى يُلقي)، فلا يستقيم أن يُقال: إن المعنى: فيضع رب العزة قومًا من الناس.
[ ١٤٨ ]
وَقَوْلُهُ: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ الله يَامُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ».
الشرح
الثاني: أنه لا يصح تفسيرُ القَدَم بالقوم؛ لا حقيقة ولا مجازًا.
وصفة (القدم) صفة ذاتية كالوجه واليدين ونحو ذلك.
قوله: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ » الحديثَ، في الحديث إثباتُ صفة النداء والكلام والصوت لله تعالى، والنداءُ نداء حقيقة بصوت، قوله: «فَيُنَادِي» أي الله تعالى، «بِصَوْتٍ».
سؤال: هل يمكن أن يكون نداءٌ بلا صوت؟
الجواب: النداء لا بد أن يكون بصوت، وذكرُ الصوت هنا من باب التأكيد، والأصل أن ثبوت الصوت من إثبات النداء؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع.
والخلاصة: إثبات صفة القول والنداء لله تعالى، وأنه بصوت مسموع.
قوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» فيه إثبات تكليمه - ﷾ - لجميع عباده بلا واسطة؛ لقوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ».
وتكليمه - ﷾ - لعباده على نوعين:
الأول: تكليم بلا واسطة كما في هذا الحديث، والتكليم يكون للمحاسبة ويكون مع البَرِّ والفاجر.
[ ١٤٩ ]