فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الجنَّةَ. فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ.
الشرح
وأنه الجسر الممدود على متن جهنم، وهو بين الجنة والنار، وهو حق لا مِرْيَةَ فيه، ومَن استقام على الصراط في الدنيا، استقام عليه في الآخرة، أما مَن خالف صراط الله في الدنيا فإنه لا يستقيم عليه في الآخرة، وقد أفادت النصوصُ أن المرور على الصراط بحسَب الأعمال، فمَن عمِل صالحًا في الدنيا، فإنه ينجو بإذن الله في الآخرة، ويمُرُّ على الصراط بقدر هذا العمل الذي عمِلَه، فمِن هؤلاء من يمر كلمح البصر، ومنهم كالبرق، ومنهم كركاب الخيل، وهكذا؛ فالمقصود أنه بقدر الأعمال التي عملها الإنسان في الدنيا يكون مرورُه على الصراط فيتفاوت المرور بتفاوت الأعمال.
قوله: «فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجنَّةِ وَالنَّارِ» القنطرة: هي جسر صغير بعد الصراط.
قوله: «فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ» هذه هي الحكمة من الوقوف على القنطرة؛ وهي التهذيب والتنقية، وذلك بعد ما يَقتصُّ الناسُ بعضُهم من بعض، وبعد هذه التنقية يذهب ما في قلوب المؤمنين من غل وحسد وبغضاء.
وهل يوجد في قلوب المؤمنين غِلٌّ؟
الجواب: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
[ ١٨٣ ]
وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ،
الشرح
والفرق بين المؤمن وغيرِه هو:
١ - أن الغل والحسد لا يملأ قلبَه.
٢ - أنه لا يستقر في قلبه الغل، بل يعالجه ويزكي قلبه بالإيمان والقرآن ومجاهدة النفس.
أما غير المؤمن فيتمكن منه الغل، فيسيطر على قلبه، فيضل والعياذ بالله، لذلك جاء في «الصحيح» قوله ﷺ: «حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بِدُخُولِ الجنَّةِ» (^١).
قوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ - ﷺ -»؛ لقوله - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ» (^٢)، وفي رواية: «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجنَّةِ» (^٣)، وفي لفظ عند «مسلم»: «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ» (^٤).
قوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ» كما في قوله - ﷺ - من حديث
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ١٢٨) رقم (٢٤٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦) (٣٣١).
(٤) صحيح مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦) (٣٣٣).
[ ١٨٤ ]
وَلَهُ - ﷺ - فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ: أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْأُولَى: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الموْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الْأَنْبِيَاءُ -آدَمُ، وَنُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ- عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الجنَّةِ أَنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وَهَاتَانِ الشفاعتان خَاصَّتَانِ لَهُ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ: فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا، وَيَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا.
الشرح
أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١) الآخِرون: أي: في الدنيا، الأولون: في دخول الجنة.
قوله: «وَلَهُ - ﷺ - فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ» أشار المُصَنِّف إلى الشفاعات يوم القيامة، وأوصلها إلى ثلاث شفاعات، وأوصلها بعضُهم إلى ثماني شفاعات، وقد سبق ذكرُها في شرح حائية ابن أبي داود.
كيف نجمع بين هذه الشفاعات؟
الجواب: هنا شيخ الإسلام ﵀ ذكر الشفاعات إجمالًا، وأما مَن زاد على هذا العدد فقد أراد التفصيل، وقد انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاثة أقسام طرفين ووسط:
١ - قسم نَفَوُا الشفاعة ولم يثبتوها؛ وهم الخوارج والمعتزلة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٢/ ٢) رقم (٨٧٦)، وصحيح مسلم (٢/ ٥٨٥) رقم (٨٥٥).
[ ١٨٥ ]
وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ، بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيَبْقَى فِي الجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا، فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ،
الشرح
٢ - قسم أثبت الشفاعة لكل أحد حتى للأصنام، وأثبتوها أيضًا لمعبودِيهم من دون الله التي قالوا عنها: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨].
٣ - القسم الوسط؛ القائل بما دلت عليه النصوص، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، إثبات الشفاعة حسَب ما أفادته النصوص؛ ولكن بشرطين هما:
أ- إذن الله - ﷿ - للشافع بالشفاعة.
ب- رضى الله - ﷿ - عن المشفوع له.
ودليلهما: قولُ الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
قوله: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ» ثبت في النصوص أن الله سبحانه تكفل للجنة والنار بملئهما، فأما النار فكما قال سبحانه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، وأما الجنة فدلت النصوص أن الله يُنشئ لها خلقًا بعد أن يبقى فيها فضلٌ، كما عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري رقم (٤٥٦٩)، وصحيح مسلم رقم (٢٨٤٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٨٦ ]