النَّاجِيَةِ
الشرح
أما الفُرقة بالضم: فالمراد بها الاختلاف والافتراق والتنازع الذي نهى الله عنه كما في سورة الأنفال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: (٤٦)]، الريح: القوة، والمراد بالفِرقة في كلام ابن تيمية المعنى الأول.
قوله: «النَّاجِيَةِ» أي: التي نجت في الدنيا من البدع والمخالفات العقدية، وتنجو في الآخرة من نار جهنم، فالنجاة شاملة للدنيا والآخرة.
وعليه فالنجاة الثانية مترتبة على النجاة الأولى؛ مَن نجا مِن البدع والمخالفات في الدنيا نجا في الآخرة من نار جهنم.
لماذا نص المُصَنِّف على أن هذه الفرقة ناجية؟
الجواب: إشارة إلى أن ثَمَّ طوائفَ أخرى ليست بناجية، كما أشار إلى ذلك النبي - ﷺ - بقوله: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» (^١)، ثم قال: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» (^٢).
ما الضابط في معرفة النجاة؟
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ١٩٧) رقم (٤٥٩٦)، والترمذي (٥/ ٢٥) رقم (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٢/ ١٣٢١) رقم (٣٩٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ».
(٢) هذه الزيادة أخرجها ابن ماجه (٢/ ١٣٢٢) رقم (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، والأقرب أنها زيادة شاذة.
[ ٣٦ ]
المنْصُورَةِ
الشرح
الجواب: الضابط هو اتباع هدي النبي ﷺ وأصحابه؛ فمَن كان متبعًا للنبي فهو الناجي؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: (٣١) - (٣٢)] جاء التأكيد لاتباع النبي - ﷺ - في هاتين الآيتين من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنه أخبر أن المحبة الحقيقية لله تعالى تكون باتباع النبي ﷺ.
الوجه الثاني: تأكيد طاعته ﷺ، بل قَرْن طاعته بطاعة الله ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣٢].
الوجه الثالث: بيانُ أن التولي عن طاعة الرسول ﷺ من صفات الكافرين، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، وكفى بهذا زجرًا وتقريعًا.
قوله: «النَّاجِيَةِ المنْصُورَةِ» وصفها بوصفين: الوصف الأول: الناجية، والوصف الثاني: المنصورة، وقد وافق المُصَنِّفُ بذلك القرآنَ والسنة؛ أما القرآن ففي قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: (١٤)].
وأما موافقة السُّنة ففي حديث المغيرةِ بنِ شعبةَ ﵁ أن النبي ﷺ؟ قال:
[ ٣٧ ]
إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ
الشرح
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله» (^١).
وهنا لطيفة نأخذها من طريقة المُصَنِّف في اختيار الألفاظ، وهي من الأسباب النافعة لطالب العلم أن تُوَافِقَ أَلفاظُه ألفاظَ الكتاب والسُّنة، كما فعل المُصَنِّف ﵀ هنا، وفي هذه الطريقة سلامة من الوقوع في الخلل وزلات الألفاظ.
قوله: «إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ» المراد يوم القيامة، وقد جاء في هذا عدة أحاديث، منها:
١) حديث ابن مسعود - ﵁ - في «صحيح مسلم» أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» (^٢).
٢) حديث أنس ﵁ في «صحيح مسلم» أيضًا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: الله الله» (^٣).
٣) حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ١٠١) رقم (٧٣١١) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -. وأخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٣) رقم (١٩٢٠) من حديث ثوبان - ﵁ -.
(٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٦٨) رقم (٢٩٤٩).
(٣) صحيح مسلم (١/ ١٣١) رقم (١٤٨).
(٤) صحيح البخاري (٩/ ١٠١) رقم (٧٣١٢)، وصحيح مسلم (٢/ ٧١٩) رقم (١٠٣٧).
[ ٣٨ ]
كيف نجمع بين هذه الأحاديث؟
جاء في حديث معاوية ﵁ أن أمر هذه الأمة سيبقى مستقيمًا حتى تقوم الساعة، وفي حديث ابن مسعود أنها تقوم على شرار الناس، وفي حديث أنس: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: الله الله» (^١).
هناك عدة أجوبة:
الجواب الأول: أن المراد بقيام الساعة قرب قيام الساعة، وأما الشك في حديث معاوية - ﵁ -: «حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله»، فنرده إلى النصوص التي ليس فيها شك؛ مثل حديث أنس - ﵁ - وحديث ابن مسعود - ﵁ -، وعلى هذا أكثر الأحاديث، أما الشك في حديث معاوية فلعله من الراوي.
فتكون خلاصة الجواب: أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيمًا إلى قرب قيام الساعة، أي أنه عند قيام الساعة لا يوجد من يقول الله، وأهل الإيمان ينقرضون قبل هذا.
الجواب الثاني: أن المراد بقيام الساعة: ساعة أهل ذلك الزمان، ومَن مات فقد قامت قيامته، وليس المراد قيام الساعة الكبرى.
هذان الجوابان من أشهر الأجوبة، والجواب الأول أقرب.
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ١٣١) رقم (١٤٨).
[ ٣٩ ]
أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ، وهو
الشرح
قوله: «أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ» فيه وصف للفرقة الناجية بصفتين:
١) أهل السُّنة، أي: أتباع السنة.
٢) الجماعة، أي: الاجتماع على الحق، وعلى توحيد الله وسنة رسوله - ﷺ -.
وبهذا تكون الأوصاف التي ذكرت هنا مع ما قبلها أربعة أوصاف:
١) الناجية. ٢) المنصورة.
٣) أهل السنة. ٤) أهل جماعة يحرصون على الاجتماع وينبذون الافتراق.
وقد أشار المُصَنِّف ﵀ إلى وصفين عظيمين هما:
١ - اتباع السُّنة.
٢ - الاجتماع.
وعلى طالب العلم أن يحرص على الجمع بينهما، وأن يكون عنده اتباع ودليل، وأن يحرص أيضًا على الاجتماع كما يحرص على السنة.
قوله: «وَهُوَ»: عائد إلى الاعتقاد، كأنه يقول: أهل السنة والجماعة هذا هو اعتقادهم.
[ ٤٠ ]