والذي عليه أهلُ السنة أن الوجه صفة من صفات الله مغايِرة للذات كبقية الصفات مثل (إثبات اليدين لله)؛ هل يقال: المراد باليدين الذات؟ الجواب: لا، إنما هي صفة أخرى لله نثبتها لله على ما يليق به، ومؤدَّى هذا القول -وهو أن المراد بالوجه الذات- تعطيلُ صفات الله مطلقًا.
والحق: إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأن هذه الصفة مغايرة للذات، وليس كما قاله المعطلة، والوجه معناه معلوم، نؤمن به ونصفه بالجلال والإكرام والبهاء والعظمة والنور، كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حِجَابُهُ النُّورُ؛ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^١).
وبصره سبحانه ينتهي إلى كل شيء، ولو كشف سبحانه حجابَ النور عن وجهه لاحترق كل شيء.
وسبحات وجهه: بهاؤه وعظمته وجلاله ونوره.
أما كيفية الوجه فهي مجهولة لنا، لا نعلم كيفية وجه الله سبحانه.
وهنا مسألة: ما المراد بالوجه في النصوص؟
لا يخفى أنه يأتي في القرآن ذكر الوجه لله تعالى، فهل المراد به دائمًا الوجه الحقيقي في كل آية جاء فيها ذكر الوجه، أو هناك تفصيل؟
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ١٦١) رقم (١٧٩).
[ ١٠٩ ]
الجواب: أن الأصل في الآيات التي يأتي فيها ذكر الوجه أن المراد من ذلك وجه الله تعالى كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]، وكما في ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠]. فالأصل أن المراد بالوجه المضافِ إلى الله هو وجه الله الذي هو صفة من صفاته.
ولكن اختلف المفسرون في آية البقرة؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] هل المراد بذلك وجه الله أو المراد الجهة؟ فقال جماعة من المفسرين: إن الوجه هنا الجهة؛ لقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]، فالمراد بالوجه الجهة، فيكون المراد على قولهم: أينما تولوا فثم جهة الله، والذي رجَّحه جماعة من أهل التحقيق ومنهم شيخنا ابن عثيمين: أن المراد بالوجه هنا الوجه الحقيقي لله سبحانه، فيكون المعنى: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله، والله محيط بكل شيء، ومما يدل على ذلك ما جاء في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (^١).
وهنا إشكال: وهو أننا عرفنا مذهب الحلولية الذين يقولون: إن الله حالٌّ في كل مكان، فهل لقائل أن يقول: إن هذا القول موافق لمذهب الحلولية؟
والجواب: ليس كذلك، وسبق الكلام على مسألة العلو، وأن الله لا يقاس
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٩٠) رقم (٤٠٦)، وصحيح مسلم (١/ ٣٨٨) رقم (٥٤٧).
[ ١١٠ ]