وقد خالف في هذه المسألة: الجهميةُ، والمعتزلة، والإباضية.
فقالوا: لا نثبت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهذا النفي مبني على نفيٍ آخرَ؛ وهو نفي الجهة عن الله تعالى، فقالوا: ما دامت الجهةُ مستحيلةً، وهي شرطٌ في الرؤية، فالرؤية مستحيلة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وبقوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، و(لن) عندهم للتأبيد، هذا هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.
أما الأشاعرة فإنهم ينفون الجهة ويوافقون المعتزلة في ذلك، لكنهم يثبتون
[ ١٣٥ ]
الرؤية، وعلى هذا وافقوا المعتزلة في المقدمة وخالفوهم في النتيجة، ولذلك حاروا في هذه المسألة حينما تابعوا المعتزلة في هذه المقدمة، فاضطربوا اضطرابًا بيِّنًا؛ منهم مَن قال: يرونه من جميع الجهات، ومنهم مَن أثبت الرؤية وقال رؤية بصيرة لا بصر، وقال هؤلاء: إن المقصود زيادة الانكشاف والتجلي حتى كأنها رأيُ عين.
أما أهل السنة والجماعة فقد عصمهم الله من هذه الافتراضات، فهم يثبتون الرؤية لله تعالى من غير ولوج في التفاصيل التي خاض فيها المعتزلة والأشاعرة.
سُئِلَ الإمام مالك عن هذه الآية: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فقال: «لما حجَب أعداءه فلم يرَوْه، تجلَّى لأوليائه حتى رأوه» (^١).
وقال الشافعي ﵀: «في الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه عِيانًا» (^٢).
وقد سبق معنا في شرح «الحائية» قولُ ابن أبي داود:
وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً
كَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد بلفظ: «لو لم يَرَ المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يُعيِّر الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾».
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٧)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ٨٧).
[ ١٣٦ ]
وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا
بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرِّحُ
رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ
فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تَنْجَحُ
قال ابنُ القيم ﵀: «والناسُ في إثبات الرؤية وعدمِها طرفان ووسط: فقوم غلَوْا في إثباتها حتى أثبتوها في الدنيا والآخرة؛ وهم الصوفية وأحزابهم. وقوم نفَوْها في الدنيا والآخرة؛ وهم الجهمية والمعتزلة. والوسطُ هم أهل السنة الذين أثبتوها في الآخرة حسَبَما تواترت به الأدلةُ».
وقال أيضًا في «نونيته»:
وَيَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ نَظَرَ العِيَانِ كَما يُرَى القَمَرَان
هَذَا تَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَمْ يُنْكِرْهُ إلَّا فَاسِدُ الإِيمان
وَأَتَى بِهِ القُرْآنُ تَصْرِيحًا وَتَعْـ رِيضًا هُمَا بِسِيَاقِهِ نَوْعَان
وَهِيَ الزِّيَادَةُ قَدْ أَتَتْ فَي يُونُسٍ تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالْقُرْآنِ (^١)
والتي في سورة يونس هي قولُ الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]؛ فقد فسرها النبي بالرؤية كما ثبت ذلك في عدة أحاديث (^٢).
_________________
(١) الكافية الشافية ص (٣٤١).
(٢) جاء ذلك في صحيح مسلم (١/ ١٦٣) رقم (١٩١٧) من حديث صهيب بلفظ: «إذا دخل =
[ ١٣٧ ]