وعلى هذا: هل بين إثبات ما سبق وإثبات العلو تعارض؟
الجواب: لا تعارض بينهما؛ فإن الله ليس كمثله شيء، فهو موصوف سبحانه بأنه قِبَل وجه المصلي، وموصوف بالعلو، فلا منافاة بينهما، وقد مثَّل شيخُ الإسلام وابنُ عثيمين بمثال يقرِّب ذلك، وهو أن الإنسان قد يتوجه جهة الشمس وتكون قِبَل وجهه وهي عالية في مكانها، فيصح أن يقال: إن الشمس قبل وجهه وهي في مكان عالٍ، والله أجل وأعظم، وليس كمثله شيء (^١).
هل نستفيد من الحديث جوازَ البَصْق حال الصلاة؟
ثبت النهيُ عن البصق قِبَل الوجه، وجوازه عن اليسار وتحت القدمين، كما جاء ذلك في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي الله مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا» (^٢).
هل يجوز هذا في المسجد؟
الجواب: فيه تفصيل، فهذا الحديث أجاز البصاق، وهناك حديث آخر منع منه، وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا:
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٧)، والقواعد المثلى ص (٩٥).
(٢) صحيح البخاري (١/ ٩١) رقم (٤١٦)، وصحيح مسلم (١/ ٣٨٩) رقم (٥٥٠).
[ ١٥٥ ]
وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا،
الشرح
«البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» (^١).
والجمع بين الحديثين بأن يُقال: يجوز خارج المسجد، وأما في داخله فلا يجوز.
فعلى هذا يكون الجوازُ في حديث الباب إذا كان ذلك خارج المسجد.
أما إذا كان في المسجد ومعه جماعة؟ فيكون تحت قدمه فقط، ويدفنها بعد ذلك، ولا يبصق عن يمينه ولا عن يساره؛ كي لا يؤذي غيره.
وهنا مسألةٌ ينبغي التنبيه عليها: وهي أَنَّ المساجد كانت في السابق مفروشةً بالرمل والتراب، وأما الآن فهي مفروشةٌ بالمفارش و(الموكيت)؛ فلا يجوز البصقُ فيها؛ سواءٌ كان ظاهرًا أم تحت الفرش، فضلًا عن أن ذلك ينافي حرمةَ المسجد، ويدعو إلى تقزُّز العامة منه.
قوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » الحديث فيه إثبات جملة من الصفات وهي:
١ - صفة العلو، من قوله: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ»؛ ولأجلها ساق المُصَنِّف هذا الحديثَ.
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٩١) رقم (٤١٥)، وصحيح مسلم (١/ ٣٩٠) رقم (٥٥٢).
[ ١٥٦ ]
أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٍ. وَقَوْلُهُ - ﷺ - لَمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ
الشرح
٢ - صفة الأولية، من قوله: «أَنْتَ الْأَوَّلُ».
٣ - الآخِرية، من قوله: «فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ».
٤ - الإحاطة الزمانية، من قوله: «أَنْتَ الْأَوَّلُ» وقولِه: «أَنْتَ الْآخِرُ»؛ لأن إثبات الأولية والآخرية متضمِّن للإحاطة الزمانية.
٥ - الظاهرية، من قوله: «أَنْتَ الظَّاهِرُ».
٦ - الباطنية، من قوله: «أَنْتَ الْبَاطِنُ».
٧ - الإحاطة المكانية، من قوله: «أَنْتَ الظَّاهِرُ» وقولِه: «أَنْتَ الْبَاطِنُ»؛ وإثبات الظاهرية والباطنية يتضمَّنُ الإحاطة المكانية.
٨ - الربوبية من قوله: «رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ».
٩ - تمام القدرة من قوله: «فَالِقَ الحبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ» وقوله: «اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ».
١٠ - كمال رحمته، من قوله: «مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ»؛ لأن إنزال الكتب دليل على رحمته - ﷾ - بعباده.
وقوله: «لَتمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى
[ ١٥٧ ]
أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الشرح
أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا » الصفة المثبتة من الحديث صفةُ القُرب لله تعالى، ولأجلها ساق المُصَنِّفُ الحديثَ، والله تعالى قريب من عباده وليس بحاجة إلى أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء؛ فإنه يعلم السر والجهر.
وصفة القرب تستلزمُ صفتَيِ الإحاطة والعلم.
وقوله: «ارْبَعُوا» أي: ارفُقوا بأنفسكم بخفض أصواتكم؛ فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسانُ إذا كان محتاجًا إلى ذلك؛ كمناداة البعيد أو ضعفِ سمع المدعو؛ ولهذا قال - ﷺ -: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا».
ولهذا نص أهلُ العلم أن من آداب الدعاء خفضَ الصوت؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]؛ استنبط القرطبي (^١) وغيرُه من أهل العلم من هذه الآية أن رفع الصوت بالدعاء من التعدي؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.