وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ الله كَثِيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الحَقِّ.
الشرح
قوله: «وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ الله كَثِيرٌ» أي بابُ الأسماء والصفات، ولم يستوعبِ المُصَنِّفُ ﵀ الآياتِ التي جاءت في الأسماء والصفات، إلا في بابٍ واحد؛ وهو باب الاستواء، أما باقي الأبواب فذكر بعض آياتها.
والناظر في الآيات التي سردها المُصَنِّف ﵀ في هذا الباب يمكنه أن يستنبط عدةَ قواعدَ وأصولٍ:
أولها: اتفاق السلف على وجوب الإيمان بجميع الأسماء وما دلت عليه من صفات.
ثانيها: أن هذه الآيات دلت على أن صفات البارئ سبحانه على ثلاثة أقسام:
١ - صفات ذاتية: لا تنفك عنها الذات؛ مثل: العلو، والحياة، والسمع، والبصر، ونحو ذلك.
٢ - صفات فعلية: تتعلق بالمشيئة؛ مثل المجيء، والاستواء، والضحك، والغضب، والعجب، والنزول، والفرح، ونحو ذلك.
_________________
(١) = أهلُ الجنةِ الجنةَ يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم - ﷿ -، ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾». وفي السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٠٦) بلفظ: «فيكشف الله عنهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى، فما شيء أُعطوه أحب إليهم من النظر إليه؛ وهي الزيادة».
[ ١٣٨ ]
فَصْلٌ: ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ الله؟،
الشرح
٣ - صفات ذاتية فعلية: باعتبارين كصفة الكلام؛ فهي صفةٌ ذاتيةٌ باعتبار أصل الكلام، وفعلية باعتبار آحاد الكلام.
ثالثها: إثبات تفرد الرب بكل صفات الكمال، وأنه ليس له شريك أو مثيل في شيء منها.
رابعًا: إثبات جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الصفات الذاتية والفعلية، والمخالف في هذا الأصل فريقان:
١ - المعتزلة؛ فإنهم ينفون جميع الصفات ويثبتون الأسماء.
٢ - الجهمية؛ فإنهم ينفون جميع الصفات والأسماء.
لماذا لا نُلحق بهم الأشاعرة ونقول: إنهم فريق ثالث؟
الجواب: الأشاعرة وافقوا أهل السنة والجماعة في سبع صفات فقط، يدَّعون أن العقل يُثبتها، وهذه الصفات هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
قوله: «فَصْلٌ» هذا الفصل يختص بنصوص السنة الدالة على صفات الله - ﷾ -، لأن الفصل السابق كان يختص بنصوص القرآن الدالة على الصفات.
قوله: «ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ الله - ﷺ -» هذا عطف على قوله فيما تقدم: «وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ».
فيكون المراد أنه دخل في ذلك أيضًا ما وصف الرسول - ﷺ - به ربه في
[ ١٣٩ ]
تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَتُبَيِّنُهُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعَبِّرُ عَنْهُ،
الشرح
الأحاديث الصحيحة، فكما نثبت من القرآن هذه الصفات، أيضًا نثبتها من السنة؛ لأنها هي الأصل الثاني في التشريع.
والسنة اصطلاحًا: ما ثبت من أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته.
والمعتمد عند أهل العلم أن السنة إذا ثبتت عن الرسول - ﷺ - بالسند الصحيح فهي بمنزلة القرآن من ناحية التصديق والعمل، وهي مُنْزلة كالقرآن؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، (والحكمة): السُّنَّة، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]، أي: السنة، وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
قوله: «تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ» هذا هو مذهب أهل الحق في السنة النبوية؛ لأنها ملازِمة للقرآن مبيِّنة له. ومعنى تفسر القرآن: أي توضحه وتبيِّن المرادَ منه، والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] الذكر هو القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ أي لتوضح لهم.
ولهذا نلاحظ أن الأحكام في القرآن غالبًا تأتي مجملة، ويأتي تفصيلُها في السنة؛ فمثلًا الصلاة جاء الأمر في القرآن بإقامتها، أمرًا مجملًا، وجاء تفصيلها من قوله وفعله - ﷺ -، وهكذا في بقية العبادات.
وهناك أمثلة تدل على أنَّ السُّنَّة تفسر القرآن، منها:
[ ١٤٠ ]
وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ ﷿ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ،
الشرح
قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فسَّر النبي - ﷺ - هذه الزيادة بأنها الرؤية كما ثبت في مسلم من حديث صُهَيب (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] القوة في الآية فسرها النبي - ﷺ - بقوله: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (^٢)، والأمثلة على ذلك كثيرة.
أما أهل البدع فهم في هذا الباب على فريقين:
الفريق الأول: مَن لا يتورع عن إنكار السنة ويصرح بذلك؛ كالمعتزلة والفلاسفة الذين ردُّوا السنة مطلقًا.
الفريق الثاني: مَن يثبت السنة ويعتقد بصحة النقل فيها، ولكن يحرِّفها ويشتغل بتأويل الصفات التي أثبتتها السنة، كالأشاعرة؛ فإنهم لم يردوا السنة كما فعل المعتزلة، بل أثبتوها لكن أوَّلوها.
قوله: «وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ ﷿ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ» أي كما وجب الإيمانُ بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كذلك يجبُ الإيمانُ بكل ما وصفه به أعلمُ الخلق به - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ١٦٣) رقم (١٨١).
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٢) رقم (١٩١٧) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.
[ ١٤١ ]